تختلف برامج الأحزاب الألمانية للهجرة واللجوء في الانتخابات الأوروبية بشكل كبير، بين من يدعو إلى مزيج من "الإنسانية والنظام" ومن يريد الحد من الهجرة غير النظامية. ويثير "نموذج رواندا" استقطابًا شديدًا. هنا لمحة موسعة عن البرامج.
تعتبر سياسة الهجرة واللجوء في أوروبا من أهم القضايا بالنسبة للناخبين الألمان، وفقًا لاستطلاعات رأي حديثة، وسط مواقف مختلفة تتخذها الأحزاب الألمانية تجاه هذه المسألة. ففي حين تصر بعضها على التمسك بـ"الإنسانية" والتأكيد على مسؤولية أوروبا العالمية تجاه اللاجئين باعتبارها مساحة آمنة لحماية حقوق الإنسان، تعتزم أخرى الحد من الهجرة إلى القارة بشكل كبير. كما أن هناك اختلافًا واسعًا أيضًا حول مسألة البت بإجراءات اللجوء خارج الاتحاد الأوروبي، أو ما أصبح يعرف مؤخرًا بـ"نموذج رواندا" نسبة للاتفاقية بين بريطانيا ورواندا بهذا الشأن. هنا لمحة عن برنامج الأحزاب حول الهجرة واللجوء، بحسب القناة الألمانية الأولى وموقع "تاغسشاو" الإخباري ووكالة الأنباء الألمانية.
الاتحاد المسيحي الديمقراطي
بالنسبة للحزب المسيحي الديمقراطي (حزب المستشارة السابقة ميركل)، وهو -مع شقيقه البافاري- أكبر حزب معارض في ألمانيا، من الواضح أن سياسة الهجرة الأوروبية تدور حول السعي إلى الحد من الهجرة غير النظامية، دون الاستغناء عن هجرة العمال المهرة بشكل قانوني. ويقول الحزب إن المبادئ التوجيهية له بشأن الهجرة هي "الإنسانية والنظام"، مطالبًا بضبط أفضل للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي من خلال دعم وكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتكس".
ورغم أن الحزب يعتبر منطقة شنغن الخالية من الحدود بمثابة "إنجاز أوروبي عظيم"، إلا أنه يدعو إلى استمرار مراقبة الحدود الداخلية بين الدول الأوروبية، كما يجري حاليًا على الحدود الألمانية مع كل من بولندا والتشيك والنمسا وسويسرا. ويرى الحزب أن ذلك لابد أن يكون ممكنًا إلى أن يتم تفعيل نظام حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ومن أجل الحد من الهجرة إلى أوروبا، يدعو الاتحاد المسيحي إلى تنفيذ فكرة "البلدان الثالثة الآمنة" على مستوى الاتحاد الأوروبي، والتي تتضمن نقل طالبي اللجوء في أوروبا إلى "بلد ثالث آمن" خارج الاتحاد الأوروبي ليخضعوا لإجراءات اللجوء هناك (نموذج رواندا). ففي حالة الاعتراف بهم كلاجئين، تصبح "الدولة الثالثة الآمنة" هي التي ينبغي أن توفر الحماية لهم. ومن أجل التخفيف عن هذه الدول بعد "التنفيذ الناجح"، يدعو الاتحاد المسيحي إلى تشكيل "تحالف" بالاتحاد الأوروبي لجلب لاجئين يحتاجون إلى الحماية من تلك الدول وتوزيعهم على الدول الأوروبية.
ولكي يتمكن عدد أقل من الأشخاص من الوصول إلى أوروبا، يدعو الاتحاد المسيحي إلى "مكافحة فعالة" لأسباب اللجوء من خلال دعم بلدان المنشأ والعبور في فتح آفاق الحياة للأشخاص في تلك البلدان أو بلدانهم الأصلية. ويرحب الحزب صراحةً في برنامجه بالاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي ودول المنشأ أو العبور، مثل الاتفاق مع تونس، ويدعو إلى اتفاق مماثل مع مصر، وكذلك تجديد اتفاقية الهجرة مع تركيا.

الحزب الاشتراكي
من جهته يدعو الحزب الاشتراكي الديمقراطي (حزب المستشار شولتس) في برنامجه الانتخابي إلى "سياسة هجرة ولجوء قائمة على التضامن" تجمع بين "الإنسانية والنظام"، مشيرًا إلى أن حق الفرد في اللجوء هو "حجر الزاوية في سياسات الديمقراطية الاجتماعية، وهو "غير قابل للتفاوض". من ناحية، يشعر الحزب بالرضا عن الاتفاق الأوروبي الذي تم التوصل إليه في عام 2023 لإصلاح نظام اللجوء الأوروبي المشترك، لكنه لا يزال يرى أوجه قصور في اللوائح الخاصة بالأسر التي لديها أطفال في إجراءات اللجوء على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. كما أن الحزب يرى أنه يجب أن ينصبّ التركيز على فحص طلبات اللجوء الفردية - "وليس على التصنيف الشامل وفقًا لبلدان المنشأ".
ويعتبر الحزب عمليات صد المهاجرين وإرجاعهم بشكل فوري "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي"، ويدعو وكالة "فرونتكس" إلى التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ومنعها "حيثما أمكن ذلك"، مطالبًا بإجراء فحص شامل للمشاكل التي تواجهها الوكالة، كما يشدد الحزب على ضرورة أن تضمن دول الاتحاد الأوروبي نفسها عمليات الإنقاذ البحري.
ويشكك الحزب في مفهوم "بلدان المنشأ الآمنة"، الذي يقصر فترات الاستئناف عندما يرفع اللاجئون من هذه البلدان دعوى ضد رفض طلبات لجوئهم. لذلك يرى الحزب ضرورة فحص التقييمات العامة للوضع الأمني في بلدان الأصل، والتي تؤخذ في الاعتبار إجراءات اللجوء الفردية. كما يطالب الحزب بأن تكون هناك المزيد من الفرص للهجرة النظامية، عبر توفير المزيد من الطرق القانونية، مثل برامج إعادة التوطين التابعة للأمم المتحدة. كما يرفض الحزب "نموذج رواندا".
حزب الخضر
من جانبه يرى حزب الخُضر في برنامجه أن أوروبا تتحمل مسؤولية عالمية تجاه اللاجئين. وجاء في بيانه الانتخابي أن "تشديد قوانين اللجوء لا يعالج أسباب الهجرة"، مؤكدًا على ضرورة ضمان حق الإنسان في اللجوء، والامتثال لالتزامات القانون الإنساني والدولي. وينتقد الحزب ذلك بالقول: "نحن حاليًا بعيدون جدًا عن هذا الهدف"، مشيرًا أن تجاهل قوانين الاتحاد الأوروبي أصبح "أمرًا شائعًا" في سياسة اللجوء. وأكد الحزب أنه وفي العديد من الأماكن، تُنتهك حقوق اللاجئين على حدود أوروبا وفي دول الاتحاد الأوروبي، داعيًا إلى "سياسة لجوء مشتركة ومنظمة وعادلة في الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل".
بالنسبة لحزب الخضر، فإن المبادئ التوجيهية في سياسة الهجرة هي "الإنسانية والنظام". ويتعين على الاتحاد الأوروبي -بحسب الخضر- أن يساعد في "تمكين الناس في مناطقهم الأصلية من عيش حياة آمنة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لأوروبا أن تعزل نفسها في مواجهة العديد من الأزمات والكوارث في العالم". وعلى وجه التحديد، يريد الخضر توسيع المساعدات الإنسانية في مناطق الأزمات من أجل دعم السكان المحليين.
وفي الوقت نفسه، يدعو الحزب إلى "معاملة دستورية وإنسانية لطالبي الحماية" وإجراءات لجوء عادلة في أوروبا. ولذلك يرفض الحزب ما يسمى بـ"مفهوم الدولة الثالثة" (نموذج رواندا). وينظر الخُضر إلى اتفاقات الهجرة مع دول خارج الاتحاد الأوروبي بشكل إيجابي، "ما دامت مبنية على الشراكة وحقوق الإنسان". ويقترح الحزب تكليف الأمم المتحدة بتوزيع اللاجئين الضعفاء على البلدان المضيفة - بما في ذلك الاتحاد الأوروبي - بطريقة منظمة وقائمة على التضامن. كما يطالب الحزب بأن لا تؤدي الإجراءات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى "إنشاء المزيد من معسكرات الاعتقال الكبيرة مثل موريا (في اليونان)". لكن الحزب يؤكد في الوقت نفسه أنه لابد أن تخضع الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي للرقابة. ويدعو الحزب إلى تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل أيضًا دون قيود على الأطفال اللاجئين، بغض النظر عن مكان وجودهم.

ويقول في بيانه "نحتاج إلى مبادرة أوروبية للإنقاذ البحري بتنسيق وتمويل من الدولة"، مشيرًا إلى ضرورة تطوير وكالة "فرونتكس" بشكل أكبر، وأن تكون مصحوبة بمراقبة مستقلة تتضمن صلاحيات للتحقيق. كما يجب-بحسب الخضر- أن تتم المعاقبة على عمليات الإرجاع غير القانونية.
ويؤكد الخضر على ضرورة أن تتمتع "العودة الطوعية" بالأولوية على "تدابير العودة القسرية". كما يطالب الحزب بإعادة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم خطيرة إلى وطنهم "كأولوية" بعد قضاء مدة عقوبتهم. ويعتبر حزب الخضر أن الخوف من الترحيل "غير معقول" بالنسبة للاجئين المندمجين بشكل جيد والذين لا يحملون تصريح إقامة دائمة، والذين يعملون ويعيش بعضهم هنا مع أطفال ولدوا في أوروبا. بالنسبة لهذه المجموعة، يدعو الحزب إلى "تغيير المسار في نظام الهجرة الأوروبي"، أي توفير خيار قانوني لهؤلاء اللاجئين للبقاء.
حزب "البديل"
في برنامجه الانتخابي، يرى حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي أن "الحماية الفعالة للحدود الخارجية ضد الهجرة غير الشرعية" هي إحدى المهام الرئيسية الثلاث لأوروبا. ويعتبر الحزب أن هجرة المسلمين من "دول المنطقة الثقافية الإسلامية" تمثل "مشكلة خاصة". وبالانطلاق من زعمه بأن "قواعد الحياة في القرآن لا يمكن التوفيق بينها وبين المبادئ الأوروبية الأساسية للقانون"، يقول الحزب إن هجرة المسلمين إلى أوروبا لابد أن تخضع لقواعد صارمة وقيود شديدة. مشيرًا إلى أن سياسة اللجوء والهجرة في أوروبا أدت إلى "اضطرابات اجتماعية هائلة".
ويطالب الحزب بإعادة المسؤولية عن سياسة اللجوء والهجرة إلى كل دولة أوروبية على حدى. ومن وجهة نظر الحزب، فإن البرلمانات الوطنية فقط هي التي تملك الحق في اتخاذ القرار بشأن الهجرة، وهي "وحدها التي تتمتع بالشرعية الديمقراطية اللازمة". ويرى "البديل" أنه ينبغي إبعاد "المهاجرين غير الشرعيين" عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ويدافع الحزب أيضاً عن نموذج "الدول الثالثة الآمنة" (نموذج رواندا).
ويرفض الحزب، في بيانه الانتخابي، اللوائح والالتزامات الدولية المتعلقة بقبول اللاجئين "على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة للهجرة وميثاق الأمم المتحدة للاجئين". ويريد الحزب إلغاء جميع اللوائح المتعلقة بحق بقاء اللاجئين. ويقول إنه ينبغي أن "تُمنح الحماية من عواقب الحرب فقط طوال مدتها (الحرب) ولا ينبغي أن تؤدي إلى هجرة دائمة". ويرفض الحزب فكرة "إعادة توطين" اللاجئين في الاتحاد الأوروبي، بل ويطالب بالعكس، من خلال ترحيل اللاجئين و"إعادة توطينهم" في دول خارج الاتحاد الأوروبي.
ويدعو الحزب أيضًا إلى إنشاء "مراكز احتجاز" بالقرب من الحدود، تهدف إلى ضمان "إجراءات إنهاء الإقامة في حالة عدم قبول طلبات الحماية". وفيما يتعلق بـ "هجرة المهارات"، يدعو الحزب إلى منع هجرة العمال الأوروبيين المحليين ذوي المؤهلات العالية. وإلى وضع "نظام نقاط" للعمال المهرة من دول الاتحاد الأوروبي.

حزب اليسار
يطالب حزب اليسار بضرورة منح الهاربين من الفقر والتغير المناخي أيضًا حق اللجوء. ومن وجهة نظر الحزب، فإن "السجل الرهيب لسياسة العزلة الأوروبية" مع غرق ما يقرب من 30 ألف لاجئ في البحر المتوسط على مدى العقد الماضي يجب أن يؤدي إلى "تغيير جوهري في سياسة اللجوء في الاتحاد الأوروبي". ويقول الحزب إن الاتحاد الأوروبي "ينتهك حاليًا اتفاقية جنيف للاجئين بشكل يومي"، منتقدًا الظروف "غير الإنسانية" في المخيمات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ويتهم الحزب وكالة "فرونتكس" "بالمشاركة -على الأقل- بشكل غير مباشر في عمليات الإعادة أو التستر عليها". ولهذا السبب يدعو الحزب إلى تحويل "فرونتكس" إلى "مهمة إنقاذ أوروبية". ويقترح حزب اليسار توزيع المسؤولية عن اللاجئين بشكل عادل، من خلال دعم البلديات المستعدة لقبولهم من خلال صندوق جديد في الاتحاد الأوروبي. كما يرفض الحزب مراقبة الحدود الداخلية للدول داخل منطقة شنغن.
وعبّر الحزب عن رفضه كذلك لنقل إجراءات اللجوء في الاتحاد الأوروبي إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي (نموذج رواندا)، وكذلك ينتقد عمليات الترحيل "وخاصة في أوقات الحرب والاضطهاد والبؤس". وينتقد الحزب بشكل عام الاتفاقيات مع ما يسمى بـ"الدول الثالثة الآمنة".
الحزب الليبرالي
يطالب "حزب الديمقراطييين الأحرار" (الليبرالي) بالمزيد من "السيطرة والنظام". ويقول إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يضع "مشكلة الهجرة غير النظامية" تحت السيطرة، وخاصة من أجل خلق القبول بين السكان المحليين للهجرة المنتظمة للعمال المهرة. ويرحب الحزب بنظام اللجوء الأوروبي المشترك، ويدعو إلى التنفيذ المتسق، على سبيل المثال من خلال إجراءات اللجوء الأسرع و"العودة المستمرة" من أجل "الحد بشكل فعال" من الهجرة غير النظامية.
وعلى الرغم من أن الحزب "ملتزم بالحق في الحماية من الاضطهاد"، إلا أنه يدعو إلى معاملة أكثر صرامة مع أولئك الذين ليس لديهم فرصة لمنحهم حق البقاء، داعيًا إلى "عدم دخول أولئك الأشخاص للبلاد في المقام الأول إن أمكن". ولذلك يدعو الحزب إلى حماية قوية وفعالة للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ـ على سبيل المثال من خلال التكنولوجيا الأمنية الحديثة. ويجب التأكد -بحسب الحزب- من عودة اللاجئين الذين أقاموا بالفعل في "دولة ثالثة آمنة" خارج الاتحاد الأوروبي إلى هناك.
ويؤكد الحزب على ضرورة توسيع وكالة "فرونتكس"، وأن يكون ذلك مصحوبًا بإصلاحات بنيوية والمزيد من آليات الرقابة والشفافية. ويطالب الحزب بأن تتولى الوكالة مهمة الإنقاذ البحري في البحر المتوسط. ويرى الحزب في بيانه الانتخابي أنه يتعين نقل اللاجئين إلى "أماكن آمنة" خارج الاتحاد الأوروبي حيث يمكن فحص طلبات اللجوء الخاصة بهم قبل دخول دول الاتحاد.
محيي الدين حسين