جمال، شاب مغربي هاجر إلى إسبانيا وهو يبلغ من العمر 15 عاما. الصورة: بوعلام غبشي
جمال، شاب مغربي هاجر إلى إسبانيا وهو يبلغ من العمر 15 عاما. الصورة: بوعلام غبشي

جمال، شاب مغربي يبلغ من العمر 18 عاما، وصل إلى إسبانيا قبل ثلاث سنوات وكان ما يزال في سن المراهقة. يقول جمال إنه خاطر بحياته لأجل الهجرة بهدف مساعدة أسرته الفقيرة. ويوجد في الوقت الحالي في دار للإيواء في ملقا بجنوب إسبانيا، تابعة للجمعية المغربية لإدماج المهاجرين، عقب قضائه ثلاث سنوات في مركز للقاصرين. ويأمل متابعة تدريب مهني في الطبخ والاندماج في سوق الشغل.

وصل *جمال إلى إسبانيا في 15 من العمر. ومر على وجوده بهذا البلد الأوروبي ثلاث سنوات، إلا أنه يرى أنها "مرت بسرعة"، رغم أنه لا يخفي اشتياقه العارم طيلة هذه المدة التي قضاها في مركز للقاصرين في ملقا بجنوب إسبانيا، لوالدته وأسرته.

يقيم جمال اليوم في دار إيواء تابعة للجمعية المغربية لإدماج المهاجرين في ملقا، لأنه كان مجبرا على مغادرة مركز القاصرين بمجرد بلوغه سن الرشد أي 18 عاما. واستفادته من الإقامة في هذه الدار كانت بناء على "معايير محددة"، تشرح المرشدة التربوية في جمعية المهاجرين المغاربة سارة غونزاليس ديل ريو، يحددها مدى استعداده وحماسه لبناء مستقبله.

"طبعا كنت محظوظا أن فتحت هذه الدار لي بابها، كما كان شأن مركز القاصرين الذين احتضنه طيلة ثلاث سنوات"، يقول جمال لمهاجر نيوز بنظرات تحمل الكثير من العرفان لمن مدوا له يد العون على طريق الهجرة حتى الآن، وساعدوه على الاحتماء من خطر التشرد في الشوارع.

قرار الهجرة في عمر مبكر

من المتعارف عليه أن مراهقا في 15 من العمر يكون في حاجة لعطف ورعاية الوالدين، ولا يمكن له أن يخاطر بحياته بمفرده نحو المجهول، لأنه سيكون عرضة لمجموعة من الأخطار. لكن عبد الإله شعر بثقل المسؤولية مبكرا، واعتقد أن الخيار الوحيد لمساعدة عائلته الفقيرة هو الهجرة إلى أوروبا.

اعتقال والده، المعيل الوحيد للأسرة، في إحدى القضايا، والحكم عليه بأربع سنوات سجنا، زاد من تعقيد الوضعية الاجتماعية لأسرته. وبحكم أنه الابن البكر، شعر بنوع من المسؤولية ملقاة على عاتقه. "لم يكن أمامي أي خيار آخر إلا البحث عن عمل لمساعدة أمي"، يواصل جمال حديثه لمهاجر نيوز بنبرة حزينة.

كان جمال يعلم أن مليلية بوابة تؤدي إلى أوروبا. "عرفت ذلك في سن مبكر عن طريق أصدقائي، كان بعضهم نجح في العبور نحو مليلية"، يصف الشاب المغربي بابتسامة خجولة تحضيراته الأولية قبل ثلاث سنوات للوصول إلى القارة العجوز.

حياة الشارع في مليلية

نجح في العبور نحو مليلية بعد محاولة أولى فاشلة. "فضلت أن أبقى في الشارع بهذه المدينة بدل اللجوء لأحد مراكز القاصرين"، يحكي جمال عن حياة التشرد في شوارعها. "كنت أكلم الوالدة هاتفيا من حين لآخر، وكانت تدعو لي في كل مرة".

كان عليه أن يحمي نفسه من الاعتداءات في الشارع طيلة ثلاثة أشهر، "يمكن أن تتعرض للضرب بسهولة، هكذا، عبثا من طرف مهاجرين آخرين. لم يكن في صالحي أن أظهر يوما أني ضعيف أو خائف، لأن ذلك يعرضني لعنف الآخرين".

لايزال يتذكر تفاصيل محاولته الأولى الفاشلة في التسلل إلى ميناء مليلية بهدف العبور، "كان يوما صعبا في حياتي، لا أنساه أبدا. سقطت من السور المحيط بالميناء. رجلي تصلبت من كثرة الألم. اعتقدت أنها كسرت. اعتنوا بي أصدقاء مهاجرين لمدة ثلاثة أيام، لم أقدر خلالها على الحركة".

"كدت أن أموت"

بعد تماثله للشفاء، حاول مرة أخرى حيث استطاع التسلل إلى الميناء والاختباء بأسفل شاحنة. "عندما انطلقت السفينة، نزلت من أسفل الشاحنة لأشم القليل من الهواء، إلا أني عدت مسرعا إلى مكاني. كنت محاصرا بين مكيفي هواء وقطعة حديد". يضيف جمال "كدت أن أموت في لحظة من اللحظات، عقب خروج السفينة من الميناء واهتزازها تلقيت ضربة على رأسي، ودخلت في غيبوبة استيقظت منها بعد مدة من الزمن".

بمجرد ما استفاق، خرج من مخبئه وتوجه لحرس الحدود الإسباني الذي قاده إلى مركز القاصرين في ملقا. "عند وصولي إلى المركز، كنت أعلم أنها بداية مشوار ليس إلا، ولم أحقق بعد ما كنت أحلم به"، يعيد الشاب المغربي رسم انطلاق تجربته مع الهجرة، وهو لايزال قاصرا بحاجة لرعاية الوالدين والأسرة.

"كلمت والدتي في اليوم الثاني من وصولي للمركز. كانت سعيدة جدا، ودعت لي بالخير والرضى"، يستحضر جمال بنوع من الحزن هذه الذكرى، خاصة وأنه لم يعد للمغرب إلى اليوم لرؤية والدته التي يهاتفها من حين لآخر، فيما يكلمه والده في بعض الأوقات من سجنه.

العودة الصعبة إلى المغرب

"لا يمكن لي أن أعود للمغرب بيدين فارغتين، أتمنى أن أجد عملا لأجمع القليل من المال، يسمح لي بزيارة الأسرة"، يقول جمال متحدثا عن أمنيته في الوقت الراهن، حيث يركز كل طاقته اليوم على إيجاد تدريب مهني في مجال الطبخ، يسمح له بالاندماج في سوق الشغل.

وانتصاره على التشرد وكسبه لطاقة السير للأمام في حياته الخاصة، كان لمركز القاصرين في ملقا دور كبير فيها. "لا يمكن مكافأة القائمين على هذا المركز، الذين ظلوا إلى جانبي كل هذه السنوات واعتنوا بي. إنهم يقومون بعمل إنساني نبيل وكبير"، بهذه الطريقة يعبر عن تقديره الكبير لما يقوم به العاملون في مجال المهاجرين القاصرين بملقا.

"لقد تعلمت في المركز اللغة الإسبانية، وفتح لي المجال للتعلم. اكتسبت كيف أن أكون مثالا في الرجولة"، يسرد جمال المناقب التي اكتسبها خلال وجوده في المركز. ويؤكد أنه لو كان بنفس النضج الذي هو عليه اليوم، ما كان ليفكر أبدا في "الحريك"، أي العبور نحو إسبانيا بطريقة غير شرعية.


*اسم مستعار

 

للمزيد