ألبير في مقر الجمعية التي يعمل لصالحها في ألميريا/ بوعلام غبشي
ألبير في مقر الجمعية التي يعمل لصالحها في ألميريا/ بوعلام غبشي

وصل ألبير، 50 عاما، إلى إسبانيا قبل عدة سنوات كمهاجر غير شرعي عبر البحر على متن قوارب الموت. واستطاع أن يبني حياة جديدة في بلد أوروبي أصبح يحمل جنسيته. ويعمل ألبير اليوم في جمعية تعني بالمهاجرين في الجنوب الإسباني وله ثلاثة أطفال.

"اكتشفت أني تعلمت بالاعتماد على النفس وأني عصامي، تعلمت العزف على أدوات موسيقية متنوعة"، بهذا التوصيف يقدم الكاميروني ألبير، 50 عاما، نفسه. ألبير حاصل على الجنسية الإسبانية، ويقيم في الوقت الحالي في ألميريا جنوبي إسبانيا، إلا أنه ينفي أن يكون "الحلم الأوروبي" راوده خلال تواجده في القارة السمراء. وجوده بأوروبا اليوم كان بمحض الصدفة ليس إلا.

كان ألبير، وهو في العشرينات من العمر، يحمل قناعات سياسية وإيديولوجية جعلته مبكرا يدخل في صراعات شملت حتى أقرب الأشخاص منه، ويتعلق الأمر بخاله الذي كان قياديا في الحزب الحاكم، حيث طلب منه الالتحاق بهذا التنظيم السياسي، إلا أنه ظل يرفض ذلك، إلى أن قرر في الثالثة والعشرين من العمر مغادرة مدينة دوالا التي ترعرع فيها.

الهجرة عبر محطات

"لقد غادرت البلد لأن أفكاري لم تعد منسجمة مع الوضع القائم في البلاد، وكانت وجهتي نيجيريا"، يقول ألبير، حيث قرر بدء حياة فنية في البلد الجار اعتمد فيها على الموسيقى كمهنة، حيث عزف في النوادي الليلية. وبعد ثلاثة أشهر، توجه إلى ساحل العاج حيث قضى هناك أربع سنوات.

وفي 1995 قرر التوجه إلى بوركينا فاسو. واستمرت رحلته مع الهجرة من بلد لآخر خمس سنوات دون أن يعلم أنها ستقوده في يوم من الأيام إلى أوروبا. عند وصوله إلى مالي، قرر التواصل مع عائلته. ووجه أول رسالة لها تلقى جوابا عنها من والدته. ويؤكد أن الرسالة التي كتبها لأسرته أعادت إليه "شهية الكتابة والتواصل".

كان رد والدته حدث استثنائي بالنسبة له. "لقد انتظرت طويلا قبل فتح الرسالة. فتحتها بعد يومين"، يعبر ألبير عن تردده الكبير في الإطلال على ما بداخلها، لأنه رأى فيها نافذة سيطل من خلالها على أسرته التي أبعدته عنها الهجرة منذ خمس سنوات. وكانت الصدمة بالنسبة له، عندما اكتشف عند قراءة الرسالة أن أخويه الكبيرين وخالته توفوا في غيابه.

الجمعية التي يشتغل لحسابها ألبير

لكن بقاءه في مالي لم يدم مدة طويلة، حيث قرر بعد بضعة أشهر الانتقال إلى الدار البيضاء. وهذا القرار جاء بناء على معرفته المسبقة بهذا البلد. كان يحلم أن "يبني حياة جديدة هناك". لكن السفر إلى الدار البيضاء يمر أساسا بالنسبة له من الجزائر. كانت "رحلة سيئة دامت شهرين"، كان يتنقل خلالها حينا مشيا على الأقدام وأحيانا أخرى في سيارات النقل العمومي بصحبة مجموعة من المهاجرين. "كنا 11 شخصا، وعاينت دفن شاب حاصل على شهادة في مادة الرياضيات"، يتحصر ألبير على الطريقة المأساوية التي تفقد بها أفريقيا أبناءها.

لم يستغرق بقاءه في الجزائر إلا ثلاثة أسابيع. عند وصوله إلى الدار البيضاء، صدم بالوضع الذي يعيشه المهاجرون السود في هذا البلد. "فهمت أني أسود البشرة عندما وصلت إلى الدار البيضاء. لمست الكثير من العنصرية. تلقيت ضربة بموجب ذلك أيقظتني من حلمي المغربي"، الذي كان يرسمه.

"قضيت شهرا في السجن في فاس لأني مهاجر، وتم حجز جواز سفري، وطالبت به متعهدا للسلطات المغربية بمغادرة المغرب"، يذكر ألبير اللحظات القاسية التي عاشها في المغرب، إذ قرر مغادرته بفضل أحد مواطنيه الذي نصحه بالتوجه إلى الناظور للعبور نحو مليلية.

"سمعت طلقات الرصاص"

حاول العبور إلى مليلية بالاعتماد على المهربين، عارضا عليهم القليل من المال الذي كان يملكه. "كان دائما بحوزتي 100 فرنك فرنسي، أي ما يعادل 100 دولار، وعرضت على مهرب كل ذلك لتهريبي إلى مليلية"، يسترجع ألبير شريط الذكريات مع محاولاته الأولى للهجرة نحو أوروبا، إلى أن تمكن يوما من اجتياز الأسلاك والوصول إلى الجيب الإسباني.

لكنه كان يوما صعبا، بل وخطيرا على حياته. "عندما اجتزت الأسلاك سمعت طلقات نارية وصياح أحد الأشخاص. توقفت. وبعد قليل ترجلت نحو مكان غير بعيد للتبول. كان البرد شديدا، لكن لم أشعر بأي شيء"، يستحضر ألبير اللحظات العصيبة التي قضاها عند اجتيازه للأسلاك الشائكة والدخول إلى مليلية، قبل أن يتوجه لمركز الهلال الأحمر.

كان حياة قاسية أخرى بانتظاره في الجيب الإسباني، لم يكن يتناول خلالها إلا "الخبز والحليب ووجبة واحدة". "وجدت 27 شخصا ينامون أمام مركز الهلال الأحمر. وقضيت أنا 16 شهرا بنفس المكان"، يواصل ألبير الحفر في ذاكرته. لكنه استغل هذا الوقت في القراءة والمطالعة لتعلم اللغة الإسبانية. "كنت أبحث عن الجرائد والمجلات في القمامات".

كان همه الأول الانتقال إلى الداخل الإسباني. ولم يتأت له ذلك إلا بعد أن خاض هو وزملاؤه إضرابا طالبوا فيه بإخراجهم من الجيب الإسباني. "في البداية قلت إني غيني، لكن بعدها اعترفت للهلال الأحمر بأني كاميروني، وساعدوني على استعادة جواز سفري. فتم نقلي إلى مدينة قاديس".

"نحن بصدد دفن المستقبل الأفريقي"

"لم أندم لمجيئ لإسبانيا" يشدد ألبير، الذي يعمل اليوم كـ"منسق إقليمي" في جمعية تعنى بالمهاجرين في ألميريا ولها عدة فروع. وهو اليوم متزوج من كاميرونية ولهما ثلاثة أبناء إسبانيين كما أبيهم، الذي تجنس قبل ثماني سنوات، وزار بلاده الكاميرون بعد سبع سنوات على وصوله إلى إسبانيا.

ألبير في مكتبه

يرفض أن يكون النموذج لأبنائه. "أنا ثمرة تجربتي. وكل منهم يكون ثمرة تجربته الخاصة"، يشدد ألبير، فيما لا يتردد في انتقاد المهاجرين الأفارقة الذين يخوضون اليوم مغامرة الهجرة بطرق غير شرعية. "هناك نوع من الجنون لدى هؤلاء الشباب الذين يعبرون البحر على حساب حياتهم. يجب أن تقال لهم الحقيقة، ولا نخدعهم نحن الجاليات الأفريقية المستقرة في أوروبا بالمظاهر"، قبل أن يختم بتحسر على هذا الوضع: "نحن بصدد دفن المستقبل الأفريقي".

 

للمزيد