المهاجر الجزائري عمر/ بعدسة: بوعلام غبشي
المهاجر الجزائري عمر/ بعدسة: بوعلام غبشي

وصل عمر، وهو شاب جزائري، إلى السواحل الإسبانية قبل ستة أشهر. وأتى إلى أوروبا ليس بهدف اقتصادي كبقية المهاجرين، كما يقول. فعبوره البحر عبر قوارب الموت رغم المخاطر المحدقة بحياته، كان بهدف علاج مرض أصيب به في عينيه ليس إلا، يشدد عمر. لكن احتجازه لشهر في سجن أرشيدونا أفقده البصر بعينه اليمنى بسبب الإهمال الطبي.

في غرفة صغيرة من مقر الصليب الأحمر الإسباني في ملقا جنوبي البلاد، كان عمر، وهو جزائري بالغ من العمر 23 عاما، يتابع برفقة مجموعة من المهاجرين الأفارقة درسا في اللغة الإسبانية. "من الضروري تعلم اللغة للتواصل مع الآخرين. بدونها لا يمكن مواجهة مشاكل الحياة"، يقول عمرلمهاجر نيوز.

كان عمر يعيش حياة عادية كبناء في بلاده الجزائر. ولم يكن يخطر بباله يوما أن يغادرها نحو الضفة الشمالية. "لم أكن أفكر في التوجه إلى أوروبا بغاية بناء مستقبل جديد كما جميع الشباب، فوضعي الصحي أجبرني يوما إلى التفكير في ذلك"، يلخص عمر سر قراره ركوب قوارب الموت، رغم كل المخاطر للوصول إلى القارة العجوز.

"فقدت النظر بالعين اليمنى في سجن أرشيدونا"

"لقد أجريت أربع عمليات في الجزائر لعيني، لأني كنت أعاني من مرض فيها، حتى لا تتعرض إلى عمى نهائي"، يضيف هذا الشاب، إلا أنها لم تكلل بالنجاح، وقرر في أعقاب ذلك أن يهجر إلى أوروبا. قرار بالنسبة له لم يكن سهلا. "لم آت لأوروبا لطلب اللجوء. وأرفض ذلك، لأني أريد أن أعود إلى بلادي يوما، وجئت لأوروبا خاصة للعلاج"، يضيف عمر بنبرة حزينة.

وصل عمر إلى قرطاجنة في إسبانيا عبر قوارب الموت انطلاقا من مدينة مستغانم الساحلية قبل ستة أشهر. وكباقي مواطنيه الواصلين إلى السواحل الإسبانية بطريقة غير شرعية، تم وضعه في سجن أرشيدونا في ملقا. وكان احتجاز مهاجرين في هذا السجن أثار ضجة كبرى في الأوساط الحقوقية والإعلامية الإسبانية، لاسيما بعد مقتل أحدهم فيه.


وقضى هذا الشاب الجزائري شهرا كاملا من الاحتجاز في هذا السجن. "هي أقسى مرحلة في حياتي، لا يمكن أن أنساها أبدا"، يتابع عمر حديثه لمهاجر نيوز بصوت حزين. مرحلة فقد خلالها النظر بعينه اليمنى نهائيا. "في كل مرة كنا نطلب فيها زيارة الطبيب، تواجهنا الشرطة بالضرب والعنف، لم نكن نعامل معاملة إنسانية. عاملونا وكأننا مجرمين"، يستحضر ذكريات مريرة وبكثير من الأسى ما تعرض له من إهمال طبي ومعاملة قاسية في هذا السجن.

للمزيد: مهاجرون يعبرون طريق الموت "محملين" بمسؤوليات عائلية

وكانت السلطات الإسبانية رحلت جميع الجزائريين المحتجزين في هذا السجن باستثناء عمر. "لقد تدخل الصليب الأحمر وعرض على السلطة حالتي، واستقبلني فيما بعد في بنايته"، يحكي عن حياته الجديدة في حضن هذه المؤسسة الإنسانية التي فتحت له أبوابها. وتحاول أن تجد حلولا له للخروج من أزمته الحالية: الصحية أولا والإدارية ثانيا، بحكم أنها تصاحبه في جميع الإجراءات بهدف تسوية وضعيته أمام السلطات المحلية.

"أخشى فقدان بصري نهائيا"

كل همه اليوم هو وضعه الصحي. "أنا فقدت النظر بالعين اليمنى، والعين اليسرى اليوم مهددة بدورها"، يقول عمر مشيرا بإصبعه إلى كيس صغير يوجد تحت هذه العين، يخشى أن يتسبب له في العمى نهائيا. "الوقت يمر بسرعة، وأخشى أن يحصل لي مكروه وأفقد البصر بشكل نهائي"، يعبر عمر عن قلقه على صحة بصره.

وما يزيد من هذا القلق، أن الموعد مع الطبيب للدخول في مرحلة العلاج لايزال بعيدا، ويخشى أن يتفاقم خلالها وضعه الصحي. "لا أريد فقدان بصري. وأتمنى أن أعيش حياة عادية في المستقبل"، يؤكد عمر أمنيته الخاصة في الخروج من هذه الوضعية واستئناف حياة جديدة كأي شاب في مثل سنه.

لا يخفي عمر أن شوقه لرؤية والدته وعائلته يتزايد يوما بعد يوم. "من الطبيعي أن أشتاق لوالدتي، وهذا الاشتياق يكبر يوما بعد يوم"، لكن "الله غالب"، يقول الشاب الجزائري. "لقد خاطرت بحياتي عبر أمواج البحر من أجل وضعي الصحي بعد إجراء أربع عمليات، ولا يمكن أن أعود إلى بلادي في هكذا وضع"، يشدد بلهجة حزينة. وكل ما يملك كحل لمواجهة هذا الاشتياق هو "الصبر".

 

للمزيد