المهاجر الإيراني بريار . مهاجر نيوز
المهاجر الإيراني بريار . مهاجر نيوز

عندما فتحت الشرطة البريطانية باب الحاوية التي اختبأ فيها لمدة 7 ساعات وخرج منها ليطأ بقدميه الأراضي البريطانية للمرة الأولى في حياته، شعر المهاجر الإيراني الشاب بريار بشيء من الروحانية، "لحظة اتصلت فيها روحي مع مجمل الكون من حولي". كان ذلك يوم 3 أيار/مايو 2016، اليوم الذي انتهت فيه رحلته المضنية.

في حقيبته ستة كتب تمثل باكورة عمله كمترجم. بريار، أحد أفراد الأقلية الكردية في إيران، هرب من بلده لأنه لم يجد هناك فسحة ليعبر فيها عن آرائه. وكونه ملحد ولا يؤمن بأي إيديولوجية سياسية أو دينية، كان بريار يشعر بالكره تجاه النظام القمعي للدولة الإيرانية. يقول بريار "من الكتب التي أحملها، واحد تحديدا كان يسبب لي القلق الدائم، إنه كتاب حول مذكرات جاسوس إسرائيلي سابق. لو تم ضبطه معي في إيران كنت سأواجه مشاكل جمة".

منذ صغره، عانى بريار من مرض مزمن كان يشعره دوما بالتعب. كان يفضل البقاء وحيدا في المنزل يترجم ويستمع للموسيقى. كان رجلا معتمدا على أهله، لم يكن من النوع المغامر، لذلك لم يتخيل نفسه قادرا على خوض رحلة اللجوء التي قام بها. لم يظن نفسه قادرا على مغادرة أمه ووطنه أو اجتياز الحدود بذلك الشكل، ولكن من أجل حقه بالتفكير بحرية، قام بكل تلك المجازفات.

مخيم الغابة في كاليه

في ربيع 2016، وصل بريار إلى مخيم الغابة في كاليه شمال فرنسا. كان قد خاض رحلة شاقة عبر الكثير من الدول للوصول هناك. واجه المترجم حينها صعوبة كبيرة في إيجاد مهرب يوصله إلى إنكلترا، كون المهربين يفضلون أن يتعاملوا مع مهاجرين لديهم أقارب في بريطانيا يستطيعون دفع تكاليف الرحلة بشكل مسبق.

أثناء بحثه عن مهرب، انتقل بريار شمالا إلى مخيم آخر، غراند سانث بالقرب من مدينة دنكيرك.


الأوضاع المعيشية هناك كانت مريعة. أرض المخيم كانت لزجة وتغطيها طبقة سميكة من النفايات والوحل. تشارك بريار فيه خيمة مع مجموعة أخرى من المهاجرين. كانوا يطلقون عليه لقب "ماما"، كونه كان يعد الطعام للجميع ويعتني بالمهاجرين الصغار.

عندما يتذكر تلك الأيام الآن، يتمنى لو أنه كان يتحلى ببعض الأمل حينها، لأن الأمور بالنهاية انتهت إلى خواتيم سعيدة بالنسبة له. يقول "كنت أشعر بقلق شديد، أتمنى الآن لو أنني حينها استمتعت بوقتي أكثر. هناك أمور إيجابية في كل مكان تقصده وتعيش فيه لفترة من الزمن".

" حاولنا مليون مرة"

بعد أن وجد مهربا، كان على بريار أن يذهب يوميا مع مهاجرين آخرين إلى مواقف الشاحنات في كاليه، المعدة للذهاب إلى بريطانيا، من أجل أن يجدوا واحدة يستطيعون الدخول إليها والبقاء فيها ريثما يصلون بريطانيا، إلا أنهم لم يوفقوا أبدا. استمرت تلك المحاولات نحو أربعة أشهر ونصف. "أعتقد أننا حاولنا مليون مرة"، يقول بريار.

في إحدى الليالي، شعر بريار بشيء غريب. فالطقس حينها كان جيدا، المهرب كان ودودا ويتبادل النكات والضحك مع المهاجرين، "التفت حولي وودعت في نفسي سرا صفوف الخيم الغارقة في الوحل".

يصف بريار بداية الرحلة قائلا: "كنا حوالي 21 رجلا، أكراد وسوريون، وجدنا إحدى الشاحنات التي كانت تتأهب للذهاب إلى بريطانيا. استغرقنا 10 دقائق حتى تمكنا من فتحها والدخول إليها. أحد المهاجرين معنا كان يملك جهاز تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية (GPS)، ما إن تحركت الشاحنة حتى بتنا نراقب خط سيرها".  ويضيف "كنا في الشاحنة كالأموات. ما أن تأكدنا من وصولنا إلى بريطانيا حتى بدأنا بالاحتفال".

حينها، اتصل بريار بوالدته التي ربته بعد أن توفي والده وهو صغير في السن، "قلت لها إن رحلتي على وشك الانتهاء، وبكينا سويا على الهاتف".

بقي المهاجرون مختبئون في الشاحنة إلى أن وصلوا إلى نورثامبتون، حينها بدأوا بقرع جدران الحاوية التي كانت تحملها الشاحنة. أوقف السائق الشاحنة على جانب الطريق وما لبثت أن حضرت الشرطة وفتحت الحاوية.

"كانت إحدى أجمل اللحظات"، تبرق عينا بريار فرحا وهو يتذكر تلك اللحظة، "كان رجال الشرطة يبتسمون، لم يسيئوا معاملتنا. أحسست وكأنني أستيقظ من حلم".

حياة جديدة

الفترة الأولى لبريار في بريطانيا لم تكن سهلة، إلا أنه حافظ على تفاؤله وروحه الإيجابية. يقول "أمضيت 25 عاما أفكر بسلبية، وهذا لم يفدني بشيء. آن الأوان لأعتمد مقاربة أخرى".

عندما أخرجت الشرطة المهاجرين من الحاوية، قدم جميعهم اللجوء بنفس اللحظة. لاحقا، ووفقا لقوانين الهجرة واللجوء الإنكليزية، تم توزيعهم على عدة مراكز إيواء منتشرة على مساحة الأراضي البريطانية. وتم فرز بريار إلى أحد المراكز بالقرب من ليفربول، وكان حينها يتقاضى خمسة باوندات يوميا كمصروف يومي، وهذا كان صعبا عليه جدا كون المبلغ لم يكن كافيا بتاتا.

أخيرا، ابتسم الحظ لبريار، إذ وجد محاميا إيرانيا وافق على أن يتبنى قضية لجوئه. بعد ستة أشهر نال اللجوء وأصبح بإمكانه أن ينتقل لمدينة ليفربول حيث فرصه في تحقيق حياة أفضل أعلى بكثير.

رواية "الخيميائي"

بعد أن انتقل إلى ليفربول بفترة بسيطة، تعرض بريار لاعتداء من مجموعة من الشباب وصفهم بأنهم عنصريين. ضربوه بلا رحمة. نقل بعدها إلى المستشفى حيث أمضى 12 يوما بسبب إصاباته.

خلال مكوثه في المستشفى، اكتشف الأطباء أن بريار يعاني من مرض وراثي يصيب العضلات، الأمر الذي فسر سبب الأوجاع التي كان يشعر بها في عضلات جسده منذ صغره. واليوم، وبفضل نظام الرعاية الصحية البريطاني، يتابع بريار علاجه الذي "لم أكن لأحظى به لو كنت ما زلت في إيران" يقول المترجم الشاب.

يعيش بريار اليوم في منزل مع عدد من المهاجرين، وينتظر أن يأتي دوره ليتم منحه شقة صغيرة يستطيع أن يقيم فيها وحده. ويقوم بعدد من الأعمال بشكل حر، منها ترجمة بعض المنشورات لمجموعة دراسات إنجيلية. كما يجتمع دوريا مع مستشار متخصص بشؤون سوق العمل أملا بأن يجد عملا ثابتا.

يفكر بريار يوميا بمدى كونه محظوظا لأنه يعيش في المملكة المتحدة. مع قدوم الربيع، يتجول المهاجر الشاب في المدينة مستمتعا بمشاهد الزهور والأشجار.

وقرأ مؤخرا رواية باولو كويللو "الخيميائي" حيث عكس على أحداث الرواية قصة حياته، رحلة طويلة ودروس مستفادة. هناك جملة محددة في الرواية لفتت انتباهه وأحبها كثيرا "عندما تسعى لتحقيق شيء ما، فإن الكون كله يتداعى لمساعدتك على تحقيقه".

 

للمزيد