مركز رابطة اللجوء ALM في كنيسة سانت آن في ليفربول. الصورة: برينا دالدورف/مهاجرنيوز
مركز رابطة اللجوء ALM في كنيسة سانت آن في ليفربول. الصورة: برينا دالدورف/مهاجرنيوز

"عزيزي، دعني أرى ما يمكنني فعله"، توجه كارولين حديثها لأحد المهاجرين في "رابطة اللجوء"، وهي مؤسسة خيرية في ليفربول بإنكلترا، تدعم المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في المملكة المتحدة.

تتحدث كارولين إلى امرأة كونغولية يبدو عليها التوتر الشديد، ثم تقرع الباب المقابل بلطف، حيث يجتمع محامي الهجرة مع أحد المهاجرين في مركز رابطة اللجوء (ALMفي مقاطعة مرزيسايد البريطانية. مجرد دقائق قليلة قبل انتهاء الدوام، لكن كارولين تحرص على أن تساعد هذه المرأة للقاء من يساعدها، وتقول: "إذا دخل شخص ما عبر تلك الأبواب، فأنت تعرف أن هناك مشكلة. هذه المرأة مرهقة."

قد تكون كارولين متطوعة في المؤسسة الخيرية، لكنها هي أيضا مهاجرة غير شرعية. ومنذ مجيئها إلى المملكة المتحدة من بلدها الكونغو-برازافيل، لطالما عانت من التشرد. لكنها بالرغم من ذلك، فإنها تتطوع مرتين أسبوعيا في مكتب استقبال المؤسسة الخيرية. وتقول "عندما أتيت إلى هذا المركز، على الأقل أستطيع أن أساعد بعض الناس. وهذا يجعلني أبتعد عن التفكير بمشاكلي الشخصية".

مزيج من اللطف والحزن والنور والظلام يملأ هذا القسم من كنيسة سانت آن، التي تضم المؤسسة الخيرية حيث يعمل متطوعون بشكل دائم على تقديم نصيحة حول الهجرة أو حتى كوبا من الشاي. ولكن عندما ننظر جيدا، نرى الحسرة في أعين العديد من المتطوعين على غرار كارولين.

يشعر العديد من المهاجرين وكأن رحلتهم سوف تنتهي عندما تلمس أقدامهم الأراضي البريطانية. لكن بالنسبة لكارولين وغيرها من طالبي اللجوء، فإن المملكة المتحدة بعيدة عن "أرض الفرص" التي تصوروها في أحلامهم.

بالنسبة لإيوان روبرتس، مدير مركز رابطة اللجوء، فيبدو الأمر "كما لو كنت تهرب من الثور. يمكنك أن تواصل الركض حتى تصل إلى جدار حجري. تتسلقه ومن ثم تغرق على الجانب الآخر وأنت تشعر بضعف وارتياح. وعندما تلتقط أنفاسك، سترى أن هناك ثورا قادما من اتجاه آخر. هذا هو الحال بالنسبة للمهاجرين الذين بدأوا حياة جديدة في المملكة المتحدة".

الحياة في الشارع

منذ أن وصلت كارولين إلى بريطانيا قبل 13 عاما، وهي تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة.

قد يتراوح عمر كارولين بين 30 و45 عاما، وعندما طرحت السؤال، كانت إجابتها أنها توقفت عن العد منذ وقت طويل. حقيقة، لا يصعب تحديد سنها فحسب، بل تشعر أن هناك شيئا ما غير مألوف، كما لو أنها ليست من هذا العالم.

يغطي جسدها الصغير قميص أسود فضفاض وسروال رياضي، وشعرها مخفي تحت قبعة بيسبول سوداء. وجهها ملكي، لكنها تبدو متعبة.

ولدت كارولين في أسرة سياسية في جمهورية الكونغو (المعروفة أيضا باسم الكونغو-برازافيل)، وهي دولة في وسط أفريقيا شهدت حربا أهلية وحشية في أواخر التسعينيات، وما زالت الحكومة فيها تقمع الحركات المعارضة بشدة.

شاركت كارولين في حركات سياسية معارضة إلى أن تركت بلدها. وعندما وصلت إلى المملكة المتحدة، تقدمت بطلب لجوء. وعلى مدار الأشهر الستة التالية، بينما كانت تتم معالجة ملف لجوئها، اعتمدت كارولين على مساعدات الحكومة المالية وقدرها خمسة جنيهات في اليوم.

رفض طلب لجوئها دون توضيح السبب. ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، يعتقد مدير مركز ALM روبرتس أن محاميها تسبب بتعقيد أمور ملف لجوئها.

وبعد أن تم رفض طلبها، اتصلت كارولين بوالدتها التي أخبرتها أنه ليس من الآمن لها أن تعود إلى الكونغو. لكن، بلا أوراق، لم تكن كارولين قادرة على العمل في المملكة المتحدة ولم يكن لديها مال لإيجاد مسكن.

"عندما يتم رفضك"، تقول كارولين بالفرنسية "ينتهي بك الحال في الشارع".

بدأت كارولين بالتنقل من مكان إلى آخر في لندن، لكنها في النهاية اضطرت إلى مغادرة العاصمة. بدأت البحث عن أشخاص آخرين لمساعدتها إلى أن جاءت إلى ليفربول للبقاء عند أحد معارف أصدقائها، لكن خطتها لم تنجح.

منهكة ويائسة.. هكذا ذهبت إلى الكنيسة الكاثوليكية والدموع تنهمر من عينيها إلى أن رآها أحد الكهنة وأرسلها إلى مركز رابطة اللجوء.

   ALM

"أنا لا أعيش الحياة التي خططت لها"

لم تتمكن المؤسسة الخيرية من حل جميع مشاكل كارولين. لكنها زودتها بنوع من الاستقرار وأعطتها دافعا للاستمرار.

ما زالت كارولين لا تملك أوراقا أو سكنا. ولكنها تأتي مرتين في الأسبوع للتطوع، وهي أكثر أعضاء المجموعة الغنائية مواظبة، حيث ترفع صوتها وتترك متاعبها بعيدا حتى لو للحظات معدودة.

وتقول كارولين "عندما تعم الفوضى حياتي، على الأقل أستطيع أن آتي إلى هنا. وعندما أشعر بالحزن، أستطيع أن أعطي القليل للآخرين".

مؤخرا، وجدت كارولين نفسها في الشارع مرة أخرى، فأعطاها المركز مكانا في إحدى وحدات السكن المخصصة لحالات الطوارئ.

لم تعتقد كارولين أن حياتها ستكون على هذا النحو. وفي كثير من الأحيان، تعرب عن أسفها للمجيء إلى المملكة المتحدة، لكنها لم تملك خيارا آخر، حسب تعبيرها. وتقول ببساطة "لا أحد يرغب في مغادرة بلده".

أتمت كارولين دراستها في الكونغو في جامعة الطب. وكانت تدير أيضا شركة صغيرة يعمل فيها عدة موظفين. وتقول "كان لدي أحلام وخطط لكن لا أحد يعرف مصيره. ربما هذا مصيري، لكنني لا أعيش الحياة التي خططت لها".

وتقول بحزن أنها منذ قدومها إلى المملكة المتحدة وهي تواجه عقبات. "كل هذه السنوات ضاعت"، ثم تستطرد "ربما لا تضيع. ربما في يوم من الأيام، سأعرف السبب. سيخبرني الله لماذا اضطررت إلى العيش بهذا الشكل".

"ماذا تتوقع الحكومة من الناس أن يفعلوا؟ الموت؟"

منذ انطلاق مركز الرابطة لأول مرة في عام 2018، تطور العمل بشكل ملحوظ. وتضم المؤسسة الخيرية حاليا سبعة موظفين وتقدم مجموعة واسعة من الخدمات للمهاجرين.

ووفقا لتقارير المركز، تستقبل المؤسسة كل عام حوالي 200 إلى 300 مهاجر بحاجة إلى المساعدة. ويلقي روبرتس اللوم على "مجموعة قوانين تم إقرارها خلال السنوات الخمس الماضية تهدف إلى خلق -بيئة معادية- للمهاجرين غير المسجلين. وبموجب هذا التشريع، يطلب من أصحاب البيوت ومقدمي الرعاية الصحية وأصحاب العمل وسلطات رخصة القيادة والمصارف، التحقق من أوراق المهاجرين في مختلف الظروف في حال كانوا من المستأجرين أو المرضى أو الموظفين".

ويؤكد روبرتس أنه "عندما يتم رفض طلب اللجوء، يتم حظر كل شيء، ولا يمكنك الحصول على منزل أو وظيفة. هذا يدفع الناس إلى العزلة".

ويعتبر أنه من السخرية أن وزارة الداخلية لا ترحل بشكل تلقائي طالبي اللجوء الذين تم رفضهم. ويقول "يطلب من الناس التوقيع على المغادرة الطوعية، لكن لا تتم متابعتهم. لذلك أصبح العديد من المهاجرين بلا مأوى".

وبحسب تقديرات روبرتس، يوجد في أنحاء المملكة المتحدة الآلاف من المهاجرين المحتاجين إلى دعم. ويشير إلى أن "المهاجرين يستطيعون التأقلم وسيبقون على قيد الحياة. فهم يعتمدون في البداية على الأصدقاء، لكن في نهاية المطاف، تنفذ خياراتهم. ثم يبدأون بالقيام بمختلف الأشياء للبقاء على قيد الحياة مثل المخدرات والدعارة. ماذا تتوقع الحكومة منهم أن يفعلوا؟ الموت؟".


الحياة في الظلال

على مدى السنوات الـ13 الماضية، عاشت كارولين في الظل. وفي المملكة المتحدة، يمكنك الحصول على الإقامة بعد مرور 20 عاما على الإقامة بدون أوراق. ومن أجل أن ينطبق هذا الأمر على كارولين، فقد يكون عليها أن تتشرد وتهدر سبع سنوات أخرى.

تقول كارولين إنها تشعر وكأنها تعيش في سجن. وبدون أوراق، لا يمكنها مغادرة المملكة المتحدة.

في أواخر عام 2017، توفيت والدتها التي تصفها بأفضل صديق لها. لكنها لم تستطع العودة لحضور جنازتها.

يقول روبرتس الذي يعرف كارولين جيدا: "هذا الحدث قام بتحطيم كارولين". وفي أحد الأيام، ذهب روبرتس لعقد اجتماع مع كارولين في الصباح الباكر، ويقول "كانت كارولين قد عادت للتو من نزهة طويلة. كانت الساعة 5 صباحا، والجو بارد ومظلم".

ويضيف روبرتس "أعتقد أن كارولين تستيقظ وتستمر بالمشي والتجول طوال الليل. لا يمكنها تحمل البقاء هكذا".

بالرغم من كل هذه الظروف، يشعر روبرتس في الأسابيع الماضية أن كارولين تتجه نحو الأفضل. ويعمل مركز المؤسسة على تحضير ملف جديد حول قضية لجوئها. ويقول روبرتس إنه رأى كارولين تبتسم عدة مرات، فهو لم ير ابتسامتها لفترة طويلة.

تشعر كارولين في الآونة الأخيرة، بوجود طاقة تجبرها على النهوض في الصباح حتى لو كانت حزينة. وتقول "لم أعد بحاجة إلى وضع المنبه. فالآن أستيقظ وأنهض". وتعتقد كارولين أن هذه الطاقة تأتي من والدتها وكأنها تقول لها أن تبقى قوية لمواصلة القتال.

 

للمزيد