وائل على يسار الصورة بصحبة مهاجر من ساحل العاج لقي مصرعه غرقا في الحادث/ خاص
وائل على يسار الصورة بصحبة مهاجر من ساحل العاج لقي مصرعه غرقا في الحادث/ خاص

وائل 24 عاما، ومحفوظ 33 عاما، شابان تونسيان دفعا أموالا طائلة للعبورمن تونس إلى أوروبا، أملا في البحث عن حياة أفضل من تلك التي يعيشانها في تونس، حيث الظروف الاقتصادية الصعبة والبطالة. مهاجر نيوز التقى بالناجيين اللذين تم إنقاذهما مع 66 آخرين ، بعد غرق القارب الذي انطلق بهما مع أكثر من 180 مهاجر من جزيرة قرقنة نحو إيطاليا . شهادة:

يقول وائل: " ليست هذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها في الهجرة غير الشرعية. هي رابع محاولة لي. باءت المحاولات الثلاث الأولى بالفشل. وهذه المرة ، غرق القارب بعد ساعة من الإبحار تقريبا وتم إنقاذي. ولكني مصر على تكرار المغامرة إلى أن أصل إلى أوروبا. لقد ضاقت بي السبل، ولم أعد أتحمل البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة، ولم يبق لي من حل سوى محاولة الوصول إلى أوروبا لأحقق بعضا من أحلامي. أعلم جيدا أني سأبقى في مراكز احتجازفي إيطاليا إن وصلت، وأن الطريق إلى أوروبا معبدة بالأشواك، لكني مستعد للتضحية.

اخترت الهجرة وإمكانية الموت غرقا على الموت في تونس، البلد الذي لا يحترم الشباب الطامح إلى مستقبل أفضل."




تفاصيل الحادثة

" كل شيء تم ترتيبه قبل فترة من انطلاق المغامرة. غادرت مدينتي مع مجموعة من الشباب (12 شخصا ) في اتجاه محافظة صفاقس. ورغم منعنا من الوصول إلى قرقنة بسبب التشديد الأمني، ساعدنا المهرب في الوصول بحرا من سيدي منصور( مدينة ساحلية تقع شرق صفاقس) إلى قرقنة (جزيرة تقع شرق تونس على بعد 32.7 كلم من سواحل صفاقس). وقام مركب صغير باعتراضنا في البحر. وهنا بدأت المأساة.

 نقلتنا سيارات توزيع السمك وحفظها إلى مكان معزول، ومكثنا لأيام في غرفة واحدة، وكان المهرب الذي يعرف باسم " الناجح" يوفر لنا ما يسد الرمق لا أكثر، ويمنعنا منعا باتا من الخروج. كنا ننتظر أسماءنا في قوائم يحددها المهرب للخروج والإبحار في الوقت الذي يقرره هو.

وكان اسمي بين المجموعة التي ستبحر ليلة السبت 2 يونيو. سيارات توزيع السمك من جديد جاءت لنقلنا. قوارب صغيرة ساعدتنا في الوصول إلى المركب. رأيت أشخاصا كثرا يتكدسون معنا. لم أكن أعرف غير المجموعة التي رافقتني. كان العدد كبيرا (بين 180 و200). كانوا ملثمين وكان الظلام حالكا والخوف يخيم علينا جميعا، فالمجهول ينتظرنا.

بعد حوالي ساعة من انطلاق القارب، بدأت المياه تتسرب إليه".

للمزيد: لماذا تحولت قرقنة لنقطة انطلاق للمهاجرين التونسيين نحو أوروبا؟

المهرب: "لا تعد بهم إلى هنا"

"بدأ الهلع يدب إلى قلوبنا جميعا. وطلبنا من الربان أن يعود بنا طالما أننا لم نبتعد إلا حوالي 8 كيلومترات من سواحل قرقنة، لكنه رفض مؤكدا أن المهرب أوصاه بألا يعود مع أحد منا مهما كانت الظروف".

"بالنسبة لي، المهرب والربان هما من تسببا في هذه الكارثة. فالقارب لم يكن يتسع لأكثر من 80 أو 90 شخص لكنه حمل أكثر من طاقة استيعابه،  وإضافة إلى تدفق المياه داخله، عمد الربان إلى قلب القارب في عرض البحر.. كانت لحظات عصيبة على الجميع.. كل واحد كان يحاول النجاة بنفسه .. وبعد حوالي ربع ساعة كثر فيها الصراخ والعويل،  مات الكثيرون ولم يبق غير أشخاص يحذقون السباحة.

فقدت أصدقائي وأبناء مدينتي... فقدنا شبابا ضحوا بأنفسهم من أجل إنقاذ غيرهم من النساء والأطفال الذين لم ننتبه لوجودهم إلا أثناء الغرق. أنا حزين جدا. أتمنى أن يقع كشف شبكات التهريب التي تتاجر بالبشر وتتواطؤ مع عناصر فاسدة من الشرطة والأمن في بلدي. ولكن كل ذلك لن يمنعني من محاولة الهجرة مرة أخرى.. لا أمل هنا.. لا حياة ولا حقوق.

دفعت للمهرب حوالي 3 آلاف دينار تونس/ 1000 يورو لأصل إلى إيطاليا وأحقق حلمي في أن أكون رياضيا، أنا الحائز على جوائز وبطولات في رياضة الكونغ فو ، وفي سباق الخيول والملاكمة...في بلد لا يقدر شبابه ولا يعترف بالعدالة بين الجهات ولا يوفرالضروريات لمواطنيه".



"رأيت قصصا وحكايات تطفو فوق سطح الماء"

إصرار وائل على محاولة الهجرة مجددا أصبح هاجسا ولعل هذا الشاب التونسي لايختلف كثيرا عن أقرانه.  فمحفوظ  أيضا لا يحلم إلا بالهجرة بعيدا عن هذه الأرض التي لم تنصفه كما يقول. هو شاب من مدينة الحامة  في 33 من العمر، نجا من الغرق بعد أن عاش لحظات صعبة. مهاجر نيوز التقاه فكان الحديث التالي:

" قصتي لا تختلف عن باقي المهاجرين، فرغم مستوايا الجامعي وإتقاني للغات أربع، أعاني من البطالة خاصة مع تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد ككل منذ 2011.

وعوض الحديث عن نفسي، أفضل الحديث عن وجوه لن أقدر على نسيانها بسرعة. لقد رأيت قصصا وحكايات تطفو فوق سطح البحر.. رأيت أحلاما تتبخر في لمح البصر".

كرة القدم...الحب.. السياسة

"سارج رفيق الرحلة، مهاجر أفريقي من ساحل العاج، كان يحلم بالوصول إلى إيطاليا وإجراء اختبارات للانضمام إلى فريق ميلانو.. غرق سارج في المتوسط وهو يرتدي قميص فريقه المفضل ميلانو.. وإلى الآن لا تمحى صورته من ذاكرتي.

أما بالنسبة للناجين، رأيت مغربيا شابا تعلق بفتاة فرنسية ولم يستطع الحصول على تأشيرة لدخول فرنسا، فدفع 3900 يورو للمهرب للوصول إلى أوروبا.

قصة ليبي أراد الهجرة بسبب آرائه السياسية التي جعلته مهددا في حياته.

ولن أنسى وجوه مهاجرات بينهن سيدة حامل ومهاجرون من ساحل العاج اختاروا الهرب بعيدا عن المشاكل القبلية والوضع الاقتصادي المتردي.

إلى جانب عدد كبير من التونسيين الذين يحملون شهادات جامعية عالية ولكنهم يعيشون حالة من اليأس والإحباط".

هل من أمل؟

"لا حل في الأفق طالما أن تونس تحكمها طبقة سياسية انتهازية منذ 2011، ساهمت في تفقير الشعب وتهميشه. أشعر بالنقمة على كل من فقرنا لينعم بثراء فاحش.. وعلى كل من جعلنا لا نتمنى غير الهرب من هذا البلد ولو كلفنا ذلك الحياة. ولا بوادر انفراج طالما هناك تواطؤ بين شبكات التهريب وبعض عناصر فاسدة من الأمن، وطالما هناك إفلات من العقاب والمحاسبة الجادة.

باختصار ما دمت أتنفس، فإني أحاول الخروج من هذا المستنقع الذي نعيش فيه في بلدنا".


 

للمزيد