ويلسون وتشارلز وروث موكيرجي أفراد عائلة من طالبي اللجوء تم احتجازهم في "مركز توقيف المهاجرين يارلز وود" في المملكة المتحدة (أرشيف العائلة)
ويلسون وتشارلز وروث موكيرجي أفراد عائلة من طالبي اللجوء تم احتجازهم في "مركز توقيف المهاجرين يارلز وود" في المملكة المتحدة (أرشيف العائلة)

عندما وصل ويلسون موكيرجي وزوجته روث وابنه تشارلز إلى مكتب وزارة الداخلية البريطانية في 4 من نيسان/ أبريل، كانوا يعتقدون أن الأمر لن يتجاوز إجراءات التسجيل الاعتيادية، لكن في الواقع كانت تلك الزيارة بداية لكابوس حقيقي سيبقى محفورا في ذاكرتهم لفترة طويلة، خصوصا بالنسبة للشاب تشارلز الذي يعاني من درجة متقدمة من الصرع. وفي نهاية شهر نيسان/ أبريل استقالت وزيرة الداخلية البريطانية أمبير رود بعد أن اتضح أنها ضللت أعضاء مجلس العموم في مسألة تحديد أهداف ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

 تعود قصة عائلة موكيرجي الباكستانية مع إجراءات طلب اللجوء في المملكة المتحدة إلى العام 2011، عندما وصل رب الأسرة شاهزاد ويلسون موكيرجي لدراسة "إدارة الموارد البشرية" في "جامعة ويلز"، وكان بصحبته زوجته روث وابنه تشارلز. ولدى الانتهاء من دراسته، تمكن الأب الذي ما يزال يحافظ على شاربه المشذب بدقة على الطريقة الباكستانية، من الحصول على تأشيرة عامل بدل تأشيرة الطالب التي كانت بحوزته.

في بداية الأمر، لم تكن الأسرة تخطط للاستقرار في المملكة المتحدة، لكن مشكلات وقعت مع العائلة في باكستان بسبب الميراث، أجبرتهم على تغيير خططهم. فقد غضب الأخ الأكبر، سونيل شاهاني، لأن ويلسون، الذي تبناه الوالدان، حصل على نصيب من الميراث مساو لبقية الأبناء.

وقال ويلسون إن تهديدات بدأت تصله من شاهاني الذي كان يعمل في ذلك الوقت كمساعد لنائب في مجلس الشيوخ الباكستاني. وتبين له أن أخاه جاء بنفسه إلى المملكة المتحدة بهدف قتله. ما اضطر ويلسون إلى إعلام الشرطة ونائب محلي في البرلمان. وقد تم منع شاهاني من دخول البلاد لمدة عشر سنوات.

لقد أدرك نيلسون حينها أنه لم يعد يستطيع العودة إلى البلاد لأن أخاه الغاضب يملك أصدقاء متنفذين في البلاد. لذا تقدم، في 19 من آذار/ مارس 2014، بطلب لجوء في المملكة المتحدة. برأي نيلسون "لا أحد يترك المكان الذي ولد فيه ما لم يكن مهددا بالخطر"، ويضيف قائلا: "كنت أملك مكتبا [قانونيا] في باكستان، ومنزلا جميلا، وموظفين للخدمة. أما هنا فأعيش في فقر. والسبب أنني لا أملك الخيار".

ويسلون موكيرجي يقول إنه لم يعد يثق بوزارة الداخلية البريطانية بعد ما جرى مع أسرته. (تصوير: برينا دالدورف من مهاجر نيوز)

حقبة من عدم اليقين

على الرغم من دعم نائب محلي لطلب اللجوء الذي تقدم به ويلسون، لكنه تلقى قرارا بالرفض في شباط/ فبراير 2017، وقال: "حظي السيء أن المساعد الاجتماعي الخاص بي لم يكن جيدا". كان نيلسون متأكدا أنه لا يستطيع العودة إلى دياره، لأن حياته مهددة. كما أن ابنه تشارلز، الذي يبلغ الآن 22 عاما، مصاب بمشكلات صحية معقدة، فهو يعاني من الصَّرع وصعوبات التعلم وفقدان الذاكرة وعوائق في النطق، وقد تُضر العودة إلى باكستان بصحته.

على إثر قرار رفض طلب اللجوء توقفت المساعدات الاجتماعية، ولم يعد يُسمح للوالدين بالعمل. لقد أصبحوا دون موارد، ويحصلون على المساعدة من كنيسة قريبة ومن جمعية "أسايلم لينك ميرسيسايد" في ليفربول التي تعنى بالمهاجرين وطالبي اللجوء. ويتطوع الزوجان خمسة أيام في الأسبوع من أجل العمل لدى تلك الجمعية.

وقد تقدمت الأسرة بطلب للاعتراض على وقف إعاناتهم، بموجب المادة 4 من قانون الهجرة واللجوء للعام 1999، مع الإشارة إلى احتياجات تشارلز الصحية. وكتب د. كرم، وهو طبيب عام، في تقرير اطلع عليه موقع "مهاجر نيوز"، حول حالة تشارلز: "يعتمد اعتمادا كليا على والديه لمساعدته في احتياجاته اليومية ونشاطاته، من تغيير الملابس إلى الاغتسال وتحضير الطعام وحضور المواعيد وتناول الأدوية عند الحاجة".

وفي نهاية المطاف أقرت المحكمة بوجوب بقائهم في المسكن الحكومي وتلقي المساعدات الاجتماعية. لكن الأسرة بقيت تعيش في حالة من عدم اليقين.

ويلسون وزوجته روث خلال نزهة مع جمعية "أسايلوم لينك ميرسيسايد" (فيسبوك جمعية "أسايلوم لينك ميرسيسايد")

الاحتجاز

في 4 من نيسان/ أبريل، عند الساعة 9 صباحا، وصلت أسرة موكيرجي إلى مكتب وزارة الداخلية في ليفربول، لإجراء التسجيل الاعتيادي كجميع طالبي اللجوء أو أصحاب الطلبات المرفوضة. وكان كل شيء عاديا في ذلك النهار، لكن "حاستي السادسة كانت تحدثني بوجود شيء مريب"، قال لنا ويلسون. وبالفعل، تم استدعاؤهم إلى غرفة خاصة، ثم تم إقفال الباب خلفهم "مثل القفص".

حاول ويلسون أن يشرح لهم أن تشارلز غير قادر على السفر، وأن يريهم أمر المحكمة الذي يفصّل وضعه الصحي وتقارير الأطباء وجمعية "مينكاب" التي تعنى بالأشخاص الذين يعانون من صعوبات في التعلم. لكن أحد الضباط قال له "إن كل هذا غير مدون في سجلاتنا، ولا أريد رؤيته". ولدى اتصال موقع "مهاجر نيوز" بوزارة الداخلية البريطانية، لم نحصل على أي جواب بشأن طريقة التعامل الذي تلقته عائلة موكيرجي في ذلك اليوم.

عن هذه الواقعة قال إدوان روبرتس، رئيس جمعية "أسايلوم لينك ميرسيسايد" إنه حتى لو قررت الداخلية البريطانية ترحيل عائلة موكيرجي، فلا حاجة أبدا إلى احتجازهم. وأوضح في مقابلة مع بي بي سي البريطانية "لو أن العاملين في مكتب وزارة الداخلية قرأوا تقرير طبيب الأعصاب [الخاص بشتارلز]، ما كانوا ليفعلوا ما فعلوه". في ذلك الوقت، أصبح تشارلز يتشنج أكثر فأكثر بسبب الضغط. وقال ويلسون: "لقد أصابت ابني نوبة من الهلع. لم أرَ في حياتي شيئا بذلك السوء. لقد ضرب كرسيا كان مثبتا بمسامير في الأرض فتسبب بطيرانه. كنت أبكي مع زوجتي لأننا كنا عاجزين عن السيطرة عليه". روبرتس مدير "أسايلوم لينك ميرسيسايد" الذي يصف تشارلز بالشاب "اللطيف والمطيع"، اعتبر أن هذا التصرف غير مألوف أبدا، لكن ربما كان نتيجةً لصعوبة الوضع الذي وضع به.

وقال ويلسون إن عناصر وزارة الداخلية غادروا الغرفة عندما أصبح ابنه خارجا عن السيطرة تماما. ولم يحضر أي شخص من الكادر الطبي للمساعدة. وبعد ساعتين تمكن الوالدان من تهدئة روع ابنهما. وعندما سُمح لهم بالتواصل مع الأصدقاء اتصل ويلسون على الفور بالكنسية وجمعية "أسايلوم لينك ميرسيسايد" وجمعية "مينكاب" على أمل أن يتمكنوا من فعل أي شيء لإخراجهم من الحجز. وعند نحو الساعة الخامسة بعد الظهر، تم إخبارهم أنهم سينقلون إلى مركز احتجار. و"قبل الصعود على متن السيارة، تم تفتيشنا مجددا، على الرغم من أننا كنا متواجدين منذ الساعة العاشرة صباحا في غرفة مقفلة ومراقبة باستمرار من قبل الموظفين والكاميرات".

"سألتهم وماذا عن الغداء؟ ابني يحتاج إلى تناول الدواء"، بحسب ويلسون لم يتم تقديم أي نوع من الطعام خلال الرحلة التي استمرت نحو 5 ساعات. وفي بداية الأمر رفضوا السماح للمحتجزين بدخول الحمام. وعندما يئس الأب من اقناعهم بالتوقف، قال لابنه أن يتبول داخل السيارة، عندها فقط قبل المسؤولون التوقف عند مركز للشرطة ليتمكن الشاب من قضاء حاجته. ولم تجب شركة النقل الخاصة "تاسكور" التي نقلت أفراد العائلة على أسئلة موقع "مهاجر نيوز" لإيضاح تفاصيل تلك الرحلة.

أبي... إذا لم يتركوني أغادر سأقتل نفسي

عند الساعة 10.30 ليلا وصلت العائلة أخيرا إلى "مركز توقيف المهاجرين يارلز وود" الواقع في مقاطعة بيدفوردشير، والذي يستخدم لإيواء الرعايا الأجانب قبل ترحيلهم إلى بلدانهم. وهو واحد من عشرة مراكز لهذا العرض في بريطانيا، وقد كان مثار جدل بعد أن طالته ادعاءات بوقوع اعتداءات جنسية ومعاملة قاسية وتسجيل حالات وفاة خلال الاحتجاز. وسبق أن أقدم المحتجزون على الإضراب عن الطعام احتجاجا على سوء ظروفهم.

بدأت إجراءات تسجيل عائلة موكيرجي في المركز عند الساعة الـ 11 ليلا، بحسب ما أخبنا ويلسون، واستمرت إلى الساعة الواحدة صباحا. وعندها فقط حصل أفراد العائلة على الطعام، قبل أن يتم نقلهم إلى غرفة في الجناح المخصص للعائلات. وكان اليوم التالي عصيبا. فقد أصابت تشارلز سلسلة من نوبات الصرع والهلع، وأخبرنا ويلسون أن ابنه قال له خلال إحدى النوبات: "أبي... إذا لم يتركوني أغادر سأقتل نفسي ".

وعندما نقل ويلسون تعليقات ابنه إلى موظفي شركة "سيركو" التي تشرف على إدارة المركز، تم استجواب تشارلز. كما اتصل ويلسون مع هيئة مستقلة للمراقبة خلصت إلى أن "تشارلز لا يجب أن يكون في مكان مماثل لثانية واحدة"، بحسب كلمات والده، وبدأت تلك الهيئة التحرك في محاولة لإخراج العائلة من المركز.

وبعد التعليقات المستمرة لتشارلز حول إيذاء نفسه، مُنعت العائلة من الإبقاء على أية أدوية داخل الغرفة، وكان لا بد من زيارة صيدلة المركز عدة مرات يوميا. وقال ويلسون إن العاملين في الصيدلية كانوا يصرون على إعطاء الدواء بأنفسهم للشاب المريض، ومنعوا الوالدين من التدخل. لكن حالة تشالز كانت تتفاقم وامتنع عن تناول الطعام، وصار يصرخ ويضرب. وفي أوقات الهدوء القليلة كان يحدق بالسقف أو بالأرض، رافضا الكلام مع والديه. ولم تجب شركة "سيركو" عن الأسئلة التي أرسلها موقع "مهاجر نيوز" حول وضع عائلة موكيرجي.

تحركات من الخارج

في هذه الأثناء، كانت عدة جهات تعمل من أجل إخراج الأسرة من المركز، ووقع نحو 5500 شخص عريضة لإخراج تشارلز. وقالت جمعية "مينكاب" ليفربول في بيان: "كل [ما سمعناه] حول طريقة التعامل مع تشارلز منذ احتجازه يوم الأربعاء يشير إلى أن مكتب وزارة الداخلية لم يأخذ بعين الاعتبار احتياجات هذا الشخص ذي الوضع الصحي الهش". حتى أن النائب في البرلمان لوسيانا بيرغر، نشرت العريضة على حسابها الشخصي في موقع تويتر. كما غطت العديد من وسائل الإعلام البريطانية القصة.




العودة إلى المنزل

في 10 من نيسان/ أبريل التقى تشارلز مع الدكتور سعيد تشودري الذي يعمل طبيبا لدى "جي 4 إس"، وهي جهة خاصة تدير الرعاية الصحية في يارلز وود. وقد اطلع موقع "مهاجر نيوز" على التقرير الذي يقول إن تشارلز كان محبطا ويشعر أن علاجه "سُرق منه"، ويعاني من نوبات متزايدة. وبناء على التقرير الطبي أرسل المركز طلبا كاملا لوزارة الداخلية، وتم الإفراج عن الأسرة بعد ظهر الـ 10 من نيسان/ أبريل.

بانتظار الوفاء بالوعود

في الـ 16 من نيسان/ أبريل، سألت النائب لوسيانا بيرغر في مجلس العموم وزيرة الداخلية رود حول قضية عائلة موكيرجي: "هل ستنظر وزيرة الداخلية بوضع العائلة وترى التغييرات الواجب إجراؤها لضمان تعامنا مع جميع الأشخاص المحتجزين بطريقة إنسانية وبكرامة. خاصة أولئك الذين يعانون من صعوبات في التعلم والصحة العقلية". فردت الوزيرة بالإيجاب، ووعدت أن تنظر بالأمر "شخصيا".




لكن وبعد أسبوعين من هذا الوعد استقالت الوزيرة من منصبها على خلفية "التضليل" بشأن علمها بالأهداف التي تم تحديدها لترحيل المهاجرين غير الشرعيين. كما تعرضت لانتقادات واسعة بسبب دورها في وضع القوانين والسياسات التي تهدف إلى خلق "بيئة معادية" للمهاجرين غير المسجلين، الأمر الذي تسبب بحرمان بعض المقيمين القانونيين من الرعاية الصحية والمعونات الاجتماعية، وفي بعض الحالات تم تهديدهم بالترحيل.

للمزيد:استقالة وزيرة الداخلية البريطانية على خلفية فضيحة "قوائم ترحيل" مهاجرين

من جهة أخرى، ما إن بدأت جمعية "أسايلوم لينك ميرسيسايد" تدعو على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق سراح عائلة موكيرجي، حتى صار أنصار شاهاني في باكستان بإرسال تهديدات في التعليقات. وقال مدير الجمعية لبي بي سي ميرسيسايد: "هذا يؤكد أنهم ما يزالوا يخضعون للمراقبة، والخطر الذي هربوا منه ما يزال قائما". وماتزال الأسرة الصغيرة تعمل مع مختص قانوني من أجل تقديم المزيد من الوثائق في قضية طلب اللجوء، و فتح قضية ثانية خاصة بتشارلز على أساس وضعه الصحي.

صورة عائلة (فيسبوك جمعية أسايلوم لينك ميرسيسايد)

لكن شبح تلك التجربة ما يزال يطارد الشاب المريض، ويقول ويلسن إن ابنه أصبح يصاب بالذعر بمجرد رؤية أي شرطي. وأكد د. كرم أن تغييراتٍ طرأت على سلوكه، موضحا في تقرير أنه "خرج من مركز الاعتقال مذعورا ويرفض مغادرة المنزل. (...) وقد تزايد عدد النوبات التي تصيبه، بسبب احتجازه".

الهدف الذي توجهوا من أجله إلى وزارة الداخلية في الرابع من أبريل/نيسان الماضي لم يتحقق حتى الآن. وينتظر العائلةَ موعدٌ جديدٌ مع هذه الوزارة حتى تسوي وضعها. "لا يمكننا أن نثق بوزارة الداخلية بعد الآن. من المفروض أن بريطانيا بلد حقوق الإنسان، لكنهم يعاملوننا هكذا؟! لا يمكنك تخيل الصدمة التي واجهناها "، يقول ويسلون.

 

للمزيد