ماهر وعائلته داخل غرفتهم في الفندق الكائن عند مدخل شارع ليدرا السياحي في نيقوسيا. الصورة: شريف بيبي
ماهر وعائلته داخل غرفتهم في الفندق الكائن عند مدخل شارع ليدرا السياحي في نيقوسيا. الصورة: شريف بيبي

إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا، وصل ماهر وعائلته هربا من جحيم الحرب في سوريا ومن العنصرية المؤذية في لبنان، آملين بتحقيق حياة أفضل. إلا أن ما تواجهه هذه العائلة الآن لم يمنحها الطمأنينة المطلوبة، ما دفعها للتفكير بالهجرة من جديد.

مدخل المبنى نظيف نسبيا، درج رخامي ومرايا تزين جدرانه. المصعد بحالة جيدة، حتى أنه يحتوي على مذياع موسيقي خاص به. يبتسم ماهر وهو ينظر إلينا والموسيقى تصدح. الطبقة الرابعة، يفتح باب المصعد على ردهة طويلة، كأي ردهة في أي فندق آخر. الغرف موزعة على جنباتها وعلى كل باب رقم خاص.

يقرع ماهر الباب لتفتح منى، زوجته. بابتسامة دافئة تستقبلنا. مدخل "المنزل" يفضي إلى غرفة فسيحة نوعا ما، على يسارها باب صغير يخفي الحمام وزاوية صغيرة ربما كانت تستخدم في الماضي ليتمكن الضيوف من تخزين أغراضهم، ولكنها الآن تحوي أغراض العائلة المكومة على بعضها.

جدران الغرفة مغطاة بورق جدران قديم وباهت، سقفها يحتاج للعناية، أما باب الشرفة فبالكاد تتمكن من إغلاقه.

يحتضن ماهر ابنه الأصغر أحمد، يبدأ الحديث مباشرة وكأنه يستكمل جزءا من جملة اضطر لأن يقطعها.

تبدو جدران الغرفة بحالة سيئة نسبيا، ولكنها بالنسبة للعائلة المكونة من 6 أشخاص أفضل من البقاء بلا مأوى. تصوير: شريف بيبي

"في لبنان، كان جل تفكيري منصب على ضرورة الخروج. أربع سنوات وأنا أخطط وأفكر. طبعا في البداية قصدت العديد من السفارات بحثا عن طريقة شرعية للسفر، توجهت للمنظمات الدولية بحثا عن أي أمل ببرامج إعادة التوطين. كل محاولاتي باءت بالفشل. كان هدفي أن أتمكن من تسفير عائلتي بشكل آمن".

ويضيف "ما تعرضنا له في لبنان كان بشعا جدا. المعاملة العنصرية في كل مكان، في الدوائر الرسمية وفي الشارع... المعاملة التي حظينا بها فاقت كل وصف".

بداية الرحلة

"في أحد الأيام، كنت في طريقي إلى العمل في إحدى مناطق بيروت. قرأت إعلانا يقول ‘رحلة سياحية إلى قبرص التركية‘. دون تردد دخلت مكتب السفريات المعلن وسألت عن الموضوع. بعد أخذ ورد أدرك الشخص المعني أنني أريد الهجرة، فطلب 16 ألف دولار أمريكي، مكنت لاحقا من الحصول على حسم ليصل المبلغ إلى 12 ألفا".

يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر، استقللنا الطائرة من مطار بيروت الدولي إلى إسطنبول، ومنها إلى قبرص التركية.

لدى وصولنا إلى مطار إرجان في قبرص التركية، تم احتجازنا مباشرة بسبب الأوراق التي بحوزتنا، فنحن لاجئون فلسطينيون في سوريا. لم نعط أي تفسير عن سبب الاحتجاز. قلت لرجال الأمن هناك إنني جئت بهدف السياحة، ولكنهم لم يستمعوا إلي. بقينا محتجزين لمدة أربعة أيام، كان معنا جنسيات أخرى كثيرة، أتراك وسوريون وفلسطينيون من غزة ورومان وجورجيين...

في اليوم الثاني مرض ابني، فبسبب ظروف الحرب التي اضطر لمعايشتها، بات معدل السكر في دمه غير مستقر، ويومها تعرض لنوبة سكري قوية.

جاؤوا بسيارة إسعاف نقلته إلى المستشفى، أنا ذهبت معه بمرافقة رجال الأمن طبعا. تمكنت حينها من التواصل مع بعض أصدقائي وطلبت منهم أن يناشدوا منظمات دولية للتدخل ومساعدتي وإلا فسيتم ترحيلي إلى لبنان، والكل يعلم أن السلطات اللبنانية ترفض دخولنا إلى أراضيها، لذا سيتم ترحيلنا مباشرة إلى سوريا.

جاء مندوب عن منظمة حقوقية وزارني في المستشفى حيث كنت مع ابني، كما زار زوجتي والأطفال في مركز الاحتجاز، وجمع كافة البيانات المطلوبة. لاحقا تمكن من إخراجنا من الاحتجاز وسلمنا لمكتب مفوضية شؤون اللاجئين في قبرص، على الجهة المقابلة.

التنقل بين الفنادق

نقل ابني مباشرة من المستشفى على الجهة التركية إلى مستشفى آخر على الجهة القبرصية. أما زوجتي وباقي الأطفال فتم نقلهم إلى مخيم استقبال هنا على الجهة القبرصية. بمجرد وصولها للمخيم تم تسجيل بصماتها، المترجم قال لها بوضوح شديد بأنها لو رفضت أن تبصم فسيتم تحويلها للسجن، فاضطرت لأن تبصم.

خرجنا من مخيم الاستقبال لنتنقل بين الفنادق التي استأجرتها الحكومة القبرصية لحالات مشابهة لنا، إلى أن وصلنا هنا.

إحدى زوايا الغرفة وتبدو أغراض العائلة مكدسة فوق بعضها. تصوير: شريف بيبي

طبعا الشروط المعيشية هناك ليست مثالية، فالفندق الذي تسكنه العائلة يقع على مدخل شارع ليدرا السياحي، وأسفل الفندق مقهى يستمر بتقديم خدماته حتى وقت متأخر من الليل، ولكنها بالنسبة للعائلة أفضل من الغرف التي سكنتها مسبقا.

خلال الحديث، كان ماهر يشعل السجائر بتواتر مشابه لتوارد أفكاره. يقول "لم أتعرض بحياتي لهذا الإهمال، بعت كل ما لدي واستدنت للهرب من سوء المعاملة والعنصرية في لبنان، لأقع في بلد أتعرض فيه للإهمال المتعمد. لا نحظى بالاهتمام الاجتماعي أو الصحي المطلوب".

التعليم والاندماج

في البداية، لم نتمكن من إلحاق أبنائنا بالمدارس لولا تدخل الصليب الأحمر. خرجنا بمظاهرات عدة للمطالبة بإلحاق أبنائنا بالمدارس، يكفي ما خسروه حتى الآن من سنين دراسية ثمينة. طبعا هذه سنتهم الأولى الآن. وعلى الرغم من أنهم التحقوا بفصولهم متأخرين، لكنهم يبلون جيدا بدروسهم. باتوا يتقنون الإنكليزية وعلى دراية واسعة باليونانية.

الأمر نفسه حصل معنا، أنا وزوجتي، طالبنا بتعلم اللغة، خرجنا بعدد من المظاهرات والاعتصامات للمطالبة بتأمين صفوف لنا لتعلم اللغة اليونانية، ففي النهاية لن نتمكن من بناء شيء هنا إلا إذا كنا نتقن اللغة. يطالبوننا بالاندماج والالتحاق بسوق العمل، ولكن بدون اللغة، كيف سنتمكن من ذلك؟

حصلنا على اللجوء ولكن...

بالنسبة لمنى، همها الأكبر الآن يتمثل بإيجاد إجابات على أسئلة ابنها الأكبر، "بات يسألني الكثير من الأسئلة المحرجة، إلى متى سنبقى على هذه الحالة؟ ما هو مستقبلنا؟ ... هو الوحيد الذي يتحدث معي بهذه الأمور، منذ أن التحق بالمدرسة حتى بدأ بمحاولة التماثل مع أقرانه هناك، وهذا طبيعي لولد بعمره، ولكنني لا أستطيع أن أقدم له ما يمكن لأي أم أن تقدمه بظل ظروفي الحالية".

خلال حديثهما، ركز الزوجان على فقدان الخصوصية في الغرفة التي يعيشان فيها، تقول الأم "أبنائي يكبرون، وهم يحتاجون لمساحة خاصة بهم. يؤلمني أنني لا أستطيع تدبر ذلك لهم... بالنهاية هذه غرفة فندق، ليست منزل، هذه ليست حياة استقرار. نحن هنا في قبرص منذ 9 أشهر، ومازالوا يرفضون تزويدنا بمنزل حقيقي".

منذ أن نلنا اللجوء (27 شباط/فبراير) وبات يحق لنا الحصول على المساعدة المادية الشهرية، المفترض أنها 435 يورو، لم نحصل سوى على 250 يورو في شباط/فبراير فقط، بعدها لم نقبض قرشا واحدا.

المطبخ والحمام ملاصقان لبعضهما، فالغرفة أعدت في السابق لاستقبال ضيوف لفترة زمنية قصيرة، وبالطبع لم تكن معدة لاستقبال عائلة لفترة طويلة.

هذا الوضع دفع ماهر للبحث عن أي مصدر رزق لإعالة عائلته. ومنذ بداية الشهر الحالي، "تمكنت من تدبر وظيفة في أحد محلات بيع مواد البناء، تحميل وتنزيل وترتيب بضائع، براتب شهري 900 يورو شهريا، اتفقت مع صاحب العمل على أن أقبض منها 790".

لن نعود إلى سوريا

وفقا لمنى، فإن السبب الرئيسي وراء قرارهما الخروج والهجرة هو الأطفال، "كل ما نريده لهم هو المستقبل الأفضل. بالنسبة لنا لم نعد نبالي. خسرنا الكثير ولكننا لن نخسر أولادنا. وإذا استمر الوضع هنا على ما هو عليه لن أبقى هنا، يجب أن نبحث عن مكان آخر".

هذا ما يؤكده ماهر، الذي أضاف بدوره "ما أن نحصل على وثائق السفر الخاصة بنا، وأجمع المبلغ الكافي، سأتوجه إلى هولندا. أختي هناك، ولدي الكثير من الأصدقاء أيضا. سمعت أن ظروف الحياة لديهم أفضل بكثير، والأولاد سيحظون برعاية مميزة".

وحول سوريا، يستذكر ماهر أياما جميلة عاشها هناك، ليعود ويقول "حتى ولو تم الإعلان عن استتباب الأمن في العديد من المناطق في سوريا لن أعود، مازال القتل والاعتقالات والتعديات قائمة، لن أعود بهذه الظروف...".

إلا أنه لا يستبعد كليا فكرة البقاء في قبرص لاكتشاف حظوظه بالحياة هناك، "طبعا ما قلناه عن دور الحكومة السلبي بمساعدتنا لا ينطبق على الشعب. الناس هنا طيبون جدا ويحاولون تقديم المساعدة متى استطاعوا. أشعر بالعنصرية بتعاطي السلطات معنا، ولكن ليس من الناس...".

ليختم قائلا "لا نريد المساعدات، نريد أن يتاح لنا المجال للاندماج بشكل صحيح".