كنده خلال مشاركتها في أحد نشاطات المدينة
كنده خلال مشاركتها في أحد نشاطات المدينة

كنده لاجئة سورية وأم عازبة في بريطانيا، وعلى خلاف البعض، بدأت رحلة لجوئها بعد دخولها إلى الأراضي البريطانية، وحيدة مع طفلتها، تحدت كنده المجتمع المحيط وقسوة زوجها لتصنع حياة سعيدة لها ولابنتها. وروت تفاصيل قصتها لمهاجر نيوز.

اعتقدت أنني سأنتقل إلى حياة جديدة تجمعنا سوياً، انتقلت فعلاً إلى حياة لم اتخيلها بيوم، أصبحت أم عازبة أعمل ما بوسعي لحماية ابنتي ونفسي في مكان غريب على كلتينا. 

اسمي كنده، أنا صحفية ولاجئة سورية في بريطانيا، وصلت منذ ثلاث سنوات ونصف إلى ليفربول البريطانية. ومنذ تلك اللحظة وإلى الآن أتخطى أزمات تلاحقني وطفلتي أينما حللنا، وأشعر بالقوة في كل مرة.

حياتي تغيرت منذ اللحظة التي استقبلني فيها زوجي في المطار، بدا الأمر غريباً، كان جافاً كما لم أعهده، كنت والطفلة أمام شخص غريب عنا ولكنني أعرفه، أو هذا ما اعتقدته.

حكايتنا سوياً كانت قد بدأت قبل تلك اللحظة بسنتين، وتحديداً عام 2013، كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أرسل لي أحدهم طلب صداقة، قبلت، بدأنا نتحدث، جذبني الشاب المجهول فطلبت أن نلتقي، والتقينا مرة واثنتين وأكثر حتى وقعنا في الحب وبعد مضي سنة على لقائنا الأول قررنا الزواج.

لم نمض الكثير من الوقت معاً فبعد أسبوع من زواجنا، ذهب هو إلى مصر وبدأ بمحاولات السفر، بعد سبعة أشهر تقريباً لحقت به إلى هناك لنكون سوياً في مكان واحد، وقضينا ستة أشهر مع عائلته.

 كانت مشاكلنا آنذاك عادية، كأي زوجين جديدين يعيشان مع عائلة، بقينا هكذا لفترة وهو لا يزال مصر على محاولات العبور إلى أوروبا، حتى أمسكت به الشرطة المصرية أثناء محاولته السفر عبر البحر.

عدنا إلى لبنان وقررنا البقاء هناك لفترة من الزمن، كنت اتنقل بين بيروت ودمشق لزيارة عائلتي إلى أن علمت أنني حامل وقررنا أن أبقى أنا في سورية بقرب عائلتي وهو في لبنان، لم يبقى هناك طويلاً، كان هاجس الخروج لا يفارقه، عاد إلى سوريا ومن هناك ذهب إلى تركيا مع أمه وأحد أقربائه، تعقدت رحلته فاختار الوصول إلى البر الأوروبي عبر ليبيا ولكن هناك، حدث ما لم نتوقعه، توفيت أمه في البحر. وبعدها بفترة ولدت طفلتنا الأولى ووصل إلى بريطانيا.

رحلة ما بعد الوصول والمصير الجديد

انتظرت مدة سنة وثلاثة أشهر إلى أن تم لم الشمل، سررت للقرار ولأن ابنتي ستجتمع للمرة الأولى مع والدها وسنعيش حياة جديدة، ولكن إيحاء الاستقبال الأول أثار شيئاً من التوتر في قلبي، قررت ألا أعير الأمر أي انتباه، نحن سوياً وهذا يكفي.

أمضينا أول أسبوعين بهدوء نسبي، كنت أغفل عن كثير من التغيرات من باب أننا نحاول التأقلم سوياً بعد غياب ومأساة، ولكن شيئاً فشيئاً بدأت الأمور تأخذ منحى سيئ.

لا أعرف إذا كان موضوع السفر ومحاولات اللجوء وفقدان زوجي لأمه غرقاً بالبحر، شكل عنده حالة من الصدمة النفسية دفعته ليصبح شخصاً آخر، ولكن هذا ما تبين لي من خلاله ما عشته معه، وما قاله هو بنفسه.

كان كائناً جديداً، يثور غضباً لساعات ويهدأ بعدها وكان شيئاً لم يحصل، الأمر لم يتوقف عند الغضب، كان زوجي يثير حالة من الخوف والرعب في قلبي وقلب ابنتي كلما تحدث أو تصرف، لم يرغب أن أكمل دراستي وأن أعمل، مع انه امتنع مراراً عن إعطائي المال لشراء مستلزمات المنزل، ما اضطرني في كثير من الأحيان لطلب المال من عائلتي.

في لحظات الصفاء، كان يهزئني بهدوء ساخر، يذكرني مراراً أنني جئت بفضله وإن أراد فسيعيدني من حيث أتيت، لم أعرف وقتها أن للعنف أشكال كثيرة بمعزل عن العنف الفيزيائي، وهي أشكال موجعة أيضاً وتسيطر على نفسية الإنسان، لاسيما إذا كان وحيداً في بلد لا يعرف فيه أحداً ولا يثق بأحد. كنت أرجئ الأمر إلى حالته النفسية المعقدة، وفعلاً أخبرني إحدى المرات عن حالته تلك، وقال إنني محقة وسيبدأ العلاج سريعاً، وعدته حينها بالبقاء إلى جانبه ومساعدته، لكنه وبعد أيام رفض العلاج وتراجع عن حديثه وبدا أكثر عنفاً معي ومع الطفلة.

علاقته مع ابنتنا غريبة جداً، كان يبالغ في عدم مبالاته تجاه ابنته، لا داعي لأن نشتري لها الألعاب، لا داعي لتلبية مستلزماتها الأساسية لا داعي لغمرها بالعطف والحنان وأحياناً يقابلها كعدو لدود، هي لم تحبه وبالنسبة لها اعتادت عليه كشخص يحاول إزعاجها، لكنه لم يعي أن الطفلة لا تعرف أن تكره إلا من يعاملها بقسوة. اعتقدت أنني سأعوض عن ابنتي الحنان الغائب من أبيها، ولربما يحتاج وقتاً ليعتاد على وجودها، ولكن مرت الأيام ولم يتغير وكنت أنا والطفلة نعاني من الفقر المادي والمعنوي معه، بدأ يثير المشاكل كيفما أدار وجهه وأي طلب هو نواة لمصيبة، زاد تنمره على وعنفه الكلامي والمعنوي معي ومع طفلتنا. خفت البوح لأي كائن، لأنه أخبرني إن قلت لأي شخص عما يخصني وابنتي فستأتي الشرطة وتأخذها مني، وأن لا حقوق لي في هذا البلد وكل ما يحق لي ملك له، باعتباري جئت بطلب منه. هل كنت ساذجة؟ ربما ولكن كنت خائفة أكثر ووحيدة، ولم أتخيل قط انني سأعيش ما اعتقدته حكر على الأفلام وصحف الحوادث.

بما أن لا أصدقاء لي ولا إمكانية ان أعرف عن أي شيء إلا عن طريق السؤال غير المباشر، بدأت بتجميع المعلومات ممن كانوا يزورون منزلنا، أفراد من قبل الحكومة البريطانية، ومدرسة ابنتي ومركز الخدمات الاجتماعية، فعرفت أن لي حقوقاً، وحفظت رقم وعنوان مركز الشرطة. كنت أخرج أحياناً، فقط لأضيع في طرقات الحي وشوارعه، ومن أثم أعود وطفلتي إلى المنزل، أستغل تواجد زوجي في عمله لأتعلم أكثر عن المكان. فعلت ما بوسعي لأعرف طرقات المدينة وحقوقي والقوانين هنا، كانت العلاقة تخيفني، وكنت مجبرة على التحصن بأي شكل من أجل طفلتي.

وفي يوم من الأيام تعرض زوجي لابنتنا الصغيرة، لم تصب بأذى، ولكن فعلته أصابت يقيناً كامناً داخلي. علمت أن ما بيننا انتهى تماماً وأن طفلتي لن تبقى مع أب كهذا، بأي شكل. 

قررت الهرب، لم أخبره عن خطتي، انتظرت حلول الصباح، ذهب هو إلى العمل وانا والطفلة إلى مركز الشرطة.

هناك وخلال ثوان سبقت دخولي إلى المركز، هدمت مخيلتي وكل ما رسمته عنا، انتهيت من نفسي المسالمة والهادئة بماضيها ومستقبلها، ودخلت في رحلة جديدة لا عودة بعدها، في تلك اللحظة فقط، أيقنت أنني أصبحت أم عازبة ولاجئة في بلد غريب. 

نحن أقوياء قلت لصغيرتي، فابتسمت لي ودخلنا.

 القوة هي الخيار الوحيد

استمرت إزعاجات زوجي حتى بعد الطلاق، اعتاد التعرض لي كلما رآني، غيرت والطفلة، خلال سنة أكثر من عشرة منازل، هددني وأرسل أقاربه لعائلتي في سورية تهديدات بقتلي، وسمعت كلاماً قاسياً عني، ولكن كلما تجاوز حدوده كنت أقدم شكوى ضده في مخفر الشرطة، وبات كل من في المركز يعرفون لماذا آتيهم. تعرض للسجن والتغريم وبقي مصرا على إزعاجنا. قطعت وعداً على نفسي، إن استمر بمضايقتي سأستمر بتقديم الشكاوى ضده، لن أتوقف ولن أغير المدينة لأن لي حقاً وانا لم أعد خائفة منه البتة.

خطوة الطلاق لم تمر بسلاسة، لم يدعمني سوى أبي وأمي وقلة من الأصدقاء، في حين قابلني كل آخر عرفته بالسوء والتشكيك والأسئلة المحرجة، حتى وصل الأمر ليختلق بعضهم الشائعات ويتعجبون أنني أم عازبة في أوروبا، " لماذا لا ترجعي" يقولون " ومن يصرف عليها؟" يسألون، هذا الأمر لم يقتصر على السوريين في سوريا، حتى هنا، الكثير من العرب قابلوني بوجهة النظر ذاتها والأسئلة المحرجة التي لا تنتهي. الجميع مرتاب كيف أترك زوجي بعد 6 أشهر من وصولي فقط، حوله البعض إلى ضحية وهم لا يعلمون ما الذي تعرضت له أنا والطفلة طوال هذه الأشهر.

ولكن لم يهمني أبداً، كنت في كل مرة أضع حداً لأحدهم أشعر بحريتي تفيض، ورفضت الإجابة على ما لم أحب وتبرير قراراتي لأحد، لن يكبلني المجتمع والضعف، أنا أم عازبة في المهجر، وهكذا نواجه الأشياء، نصم آذاننا نخلق سعادتنا ونمضي قدماً.

ابنتي هي الأهم في حياتي، لا أزال أصارع إلى اليوم لحمايتها من أي شخص سيعرضها للخطر، حتى وإن كان والدها، ولفعل ذلك قررت تأجيل دراسة الإعلام، وتحضير نفسي لإتمام دراساتي العليا المختصة بحقوق المرأة، وهذا مهم، فحين تعرف المرأة حقوقها وقضاياها تستطيع حماية أطفالها وغيرها من النساء، كما أنني تطوعت في عدد من المنظمات المختصة بمساعدة ودعم النساء وخاصة المهاجرات كمنظمة 4wing وMorang، بالإضافة إلى تعلم اللغة بشكل أفضل والتركيز على اكتساب تقنيات التدريس وكيفية مساعدة المدرسين، من خلال دورات خاصة، وفي هذا فرصة لمعرفة التقنيات التي سأتبعها فيما بعد لمساعدة ابنتي عندما تدخل إلى المدرسة. الحياة هنا ليست رائعة، وهو أمر لا يخص اللاجئين فحسب، ولكن ما أسعى لفعله هو جعل الدنيا رائعة لي ولابنتي، وهو أمر يتحقق شيئاً فشيئاً بالعمل والمثابرة، أواجه أحياناً أزمات مصيرية مع طليقي خاصة وأنه تمادى لأبعد الحدود في تصرفاته، أنهار قليلاً لأشعر بعد لحظات أن لا وقت لذلك، ابنتي بحاجة لي وعلى أن أكون مثالاً لها.

 سأمثل أمام القضاء قريباً حفاظا على حقوق ابنتي، سأكلم المحامي، سألتمس الدلائل ومساعدة المنظمات لأن لي ولابنتي حق الحماية من العنف والتحرش، بالإضافة لكوننا لاجئتان، هل تعتبر هذه قوة؟ نعم هي كذلك، فحالياً القوة هي خياري الوحيد.