ANSA / مخيمات الجزر اليونانية وصلت إلى نقطة الأزمة / حقوق الصورة: جيورجوس موتافيس/ منظمة العفو الدولية.
ANSA / مخيمات الجزر اليونانية وصلت إلى نقطة الأزمة / حقوق الصورة: جيورجوس موتافيس/ منظمة العفو الدولية.

شاب فلسطيني من غزة سافر في أيلول/سبتمبر 2018 إلى مصر ثم إلى تركيا، قبل أن يقطع الحدود التركية اليونانية بطريقة غير شرعية في رحلة كاد أن يفقد حياته فيها. يقبع الشاب الآن في مخيم يضم 60 لاجئاً في جزيرة رودوس اليونانية. مهاجر نيوز تواصل معه وعاد بهذه الشهادة.

لطالما حلمت بمستقبل مشرق وحياة مستقرة، حصرت أحلامي بوظيفة ثابتة وبلدٍ خال من العنف والدمار، لذلك بدأت منذ خمسة أعوام البحث عن طريقة للسفر خارج غزة، فالبطالة وانعدام الأمن ومحدودية الأفق دفعوني لاخوض تجربة كدت أن أفقد حياتي خلالها، وستبقى تفاصيلها عالقة في ذاكرتي طيلة حياتي.

"لم أستفد من شهادتي الجامعية أبداً"

قضيت ستة أعوام وأنا أبحث عن عمل في غزة بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، لكن دون جدوى، لم أترك مؤسسة إلا وطرقت بابها بحثاً عن فرصة عمل. تطوعت لأشهر طويلة في عدة مؤسسات غير حكومية، وانضممت لفرق متطوعي الهلال أحمر أثناء القصف الإسرائيلي على غزة في عام 2014.

الواقع في غزة خانق، فالمعابر مغلقة بشكل شبه دائم منذ سنوات، والانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي، التي قد تصل لـ16 ساعة يومياً، تنغص علينا حياتنا، دون أن أنسى تقييد الحريات وتكميم الأفواه من قبل الحكومة الفلسطينية التابعة لحركة حماس في غزة.

>>>> للمزيد: "لست نادمة على قرار خروجي من غزة.. أنا مؤمنة أن أحلامي تستحق التضحية"

 لكن ومع مرور الوقت، بدأت بالتفكير في السفر بحثاً عن الأمان والحرية والعمل. حاولت السفر لأول مرة عام 2013 وفشلت. حتى أنني حصلت على فيزا للدراسة في إسبانيا في عام 2015، ولكنني لم أستطع السفر بسبب المعابر المغلقة.

بعد كل محاولة فاشلة للسفر كنت أمر بنوبات اكتئاب حادة ورفض كامل للواقع، كان وضعي الاقتصادي معدوماً إضافة لانعدام الأفق وضبابية المستقبل. ودعت أصدقائي واحداً تلو الآخر وهم يسافرون بحثاً عن حياة أفضل، وكنت أسمع قصصهم عن جمال الحياة في أوروبا بعيداً عن غزة وأزماتها.

استمرت محاولاتي خمسة أعوام متواصلة، حتى خرجت من غزة في أيلول/سبتمبر 2018.

"دفعت 1500 دولار للخروج من غزة"   

بعد أن فقدت الأمل بالخروج من غزة بطريقة شرعية ودون اللجوء لأي مساعدة رسمية أو غير رسمية، استسلمت للواقع، فأنا لست طالباً ولا أملك دعوة رسمية من أية دولة أوروبية، فلم أجد أمامي سوى سماسرة "تنسيقات السفر" كما نسميهم في غزة.

تنتشر في غزة مكاتب "تنسيقات السفر" على الرغم من أن المعابر مغلقة في أغلب فترات العام. وتعمل هذه المكاتب على التنسيق مع جهات فلسطينية ومصرية لتسهيل سفر المواطنين الفلسطينيين من غزة إلى مصر عبر معبر رفح البري. وتتضمن هذه الرحلة، التي قد يصل ثمنها لـ2000 دولار، الانتظار لـ10 ساعات في صالة المعبر من الجانب الفلسطيني، والنوم ليلة على الأرض في صالة المعبر من الجانب المصري، قبل أن نتحرك في باصات وسيارات في فجر اليوم التالي باتجاه القاهرة، وقد تستمر هذه الرحلة –من معبر رفح إلى القاهرة- لـ12 ساعة بسبب الحواجز العسكرية المصرية في شبه جزيرة سيناء.

أي أنني دفعت 1500 دولار لأسافر براً من غزة إلى القاهرة في رحلة شاقة جداً استمرت لأكثر من 36 ساعة.

في تركيا، المهربون موجودون على المقاهي

وصلت إلى إسطنبول بعد أن ركبت الطائرة لأول مرة في حياتي. كان رأسي مليئاً بالتساؤلات، كم سأبقى في تركيا؟ هل سأدخل أوروبا بحراً؟ ما مدى خطورة ذلك؟ هل هناك حلول أخرى؟ براً؟ أو جواً مثلاً؟ كم سيكلفني ذلك من النقود؟ اقترضت هذه النقود من أقاربي وأصدقائي، هل سأضطر لاقتراض المزيد؟

وجدت الإجابات على هذه الأسئلة بسهولة، فشبكة تهريب المهاجرين في تركيا ليست معقدة أبداً، جلست على أحد المقاهي وتبادلت الحديث مع صديق حول خياراتي لدخول أوروبي، لأتفاجأ بعدة عروض تأتيني من الطاولات التي بجانبنا، "بات دخول أوروبا جواً صعباً جداً، لك الخيار، إما براً أو بحراً، والتكلفة تتراوح من 500 يورو لـ3000 يورو"، قال أحد الرجال على طاولة مجاورة.

بعد مشاورات مع أصدقائي وعائلتي استمرت لشهر تقريباً، قررت أن أعبر الحدود التركية اليونانية في سيارة دفع رباعي وبتكلفة 1500 يورو. المبلغ متوسط والخطورة أقل من السفر بحراً، أو على الأقل هذا ما اعتقدته.

"أغمضت عيني، وظننت أنني قد مت"

حدّد المهرب ليلة في تشرين الثاني/نوفمبر لاجتياز الحدود. كنا 9 أشخاص، فلسطينيون وسوريون ويمني واحد، إضافة للسائق ذي ال18 ربيعاً، لم نكن نتحدث كثيراً أثناء الرحلة، كان يجلس على يميني شاب فلسطيني، وعلى يساري فتاة سورية لا يتجاوز عمرها الـ19 سنة.

قطعنا مع ساعات الفجر الأولى الطريق الفاصل بين تركيا واليونان والمعروف بين أوساط المهربين بـ"الأوتوستراد". بعد ساعات من القيادة، بدأت تلاحقنا سيارة مدنية تابعة للمخابرات اليونانية، فحمولة سيارتنا الزائدة جعلت من السهل ملاحظتنا، ارتبك السائق الشاب وانطلق بسرعة 180 كيلومتر في الساعة، وبدأ صوت صلواتنا وصراخنا يعلو شيئاً فشيئاً، حتى انحرفت السيارة بشدة وبدأت تنقلب بشكل مستمر ومتسارع، أغمضت عيناي، وظننت أنها النهاية.

لم أستطع ان أفتح عيناي، شعرت بألم في رأسي وفي يدي اليمنى، لم أميز الأصوات من حولي جيداً، لكني لن أنسى صوت الشاب الفلسطيني الذي كان جالساً بجانبي وهو يسحبني إلي خارج السيارة المحطمة والمنقلبة صارخاً "ستنفجر السيارة، اهرب قبل أن تنفجر"، فوقفت وبدأت بالركض معه، ولكن عندما نظرت للخلف، رأيت الفتاة السورية، كانت ملقاة في منتصف الطريق ومحاطة بالدماء، أعتقد أنها سقطت بسبب انقلاب السيارة. لم أر وجهها، لكني علمت أنها قد فارقت الحياة.

بعد أن ابتعدنا عن السيارة سقطت مغمىً علي على الأرض. استيقظت بعد خمسة أيام في المستشفى، علمتُ أنني قد أصبت بارتجاج في الدماغ وكسر في يدي اليمنى، واكتشفت بعد ذلك أن كل من كانوا في السيارة قد أصيبوا بكسور متعددة، وأن الفتاة السورية قد ماتت.

أعطتنا السلطات اليونانية أمراً يقضي بوجوب الخروج من الأراضي اليونانية في مدة أقصاها ستة أشهر، لكننا تواصلنا مع مؤسسات وجهات ساعدتنا في تقديم طلبات لجوء.

>>>> للمزيد: تركيا: مقتل عشرة مهاجرين وإصابة 30 لدى اصطدام حافلتهم بمتجر

لا أعلم إن كنت سأتخطى ما مررت به

أعيش الآن في مخيم للمهاجرين في جزيرة رودوس مع 60 مهاجراً من جنسيات مختلفة. لا اسم لهذا المخيم، ولا يتبع لأي جهات رسمية أو غير رسمية، ظروفنا صعبة والجهات الرسمية اليونانية لا توفر لنا أي مقومات لنعيش حياة طبيعية.

منذ خروجي من غزة، علمت أن لا مجال للنظر إلى الخلف، كل مرحلة أتخطاها تكون أصعب من سابقتها، ولا خيار أمامي سوى الاستمرار أملاً بأن أجد حلولاً لهذا الوضع الآخذ بالتأزم. أنتظر منذ تشرين الأول/نوفمبر الماضي الحصول على إقامة رسمية في اليونان لأتمكن من السفر بحرية في أوروبا للبحث عن فرص عمل أو دراسة.

لا أعلم إن كنت سأتخطى ما مررت به في رحلتي، ولا أعلم حتى إن اقتربت نهاية هذه المعاناة، لكن صورة الفتاة السورية وهي ملقاة في الشارع لا زالت تراودني في أحلامي.


*صاحب الشهادة فضل عدم الإفصاح عن هويته لاعتبارات خاصة به