لندن عاصمة بريطانيا. المصدر: صور أليانس بريزما أونلاين
لندن عاصمة بريطانيا. المصدر: صور أليانس بريزما أونلاين

هل تغيرت خطوات رحلة اللجوء، ومرحلة الوصول وطلب اللجوء منذ ثلاثين عاماُ إلى اليوم؟ عماد محمد مهاجر وصل إلى بريطانيا منذ قرابة ثلاثين عاماً، يحكي لـ"مهاجر نيوز" قصة لجوئه و ما اذا كان قد تغير شيء منذ وصوله وحتى يومنا هذا.

مضى على وجودي في بريطانيا قرابة ثلاثين عاماً. جئت كلاجئ سياسي. وعشت مرحلة الوصول ومرحلة ما بعد الوصول. وأقولها منذ ذلك الوقت إلى الآن لم يتغير شيء. أشاهد الاخبار، وألتقي بالأصدقاء واتابع قصص عن اللاجئين. ربما لم تتغير كثيراً ظروف ودوافع الخروج من البلد، لكن الأعداد والإعلام وسياقات أخرى أضاءت على الموضوع. وباتت هناك موجات هجرة أكبر وحروب وحالة اقتصادية متردية أكثر من السابق. أما في تعاطي الحكومات مع الأمر، وفي طرق المهربين وبيروقراطية متابعة الأوراق وفوبيا الاندماج، ورحلة الوصول، فلا شيء جديد.

 الدوافع ذاتها على الرغم من الزمن

في الثمانينيات حصلت على منحة دراسية في بلغاريا. بعد ان انتهيت من الدراسة وحزت على ماجستير في علوم السياسة، كان من الصعب البقاء هناك. فالاتحاد السوفيتي كان على وشك الانهيار ومن الصعب أن أحول إقامتي هناك. لذلك اخترت بريطانيا لسبيين، ربما هما مشتركان بين العديد من عراقيي الأمس وحتى اليوم. السبب الأول هو الارتباط التاريخي، فهناك عناصر في المجتمع العراقي مرتبطة بشكل أو آخر ببريطانيا، ككلمات نستخدمها في لهجتنا العامية، وتاريخ الاستعمار وتخطيط الطرقات، بالإضافة إلى وجود جالية فيها. والسبب الثاني هو استقطابها للسياسيين اليساريين ومبادئ الحرية ومرونة القوانين.


فور وصولي أخبرتهم بقصتي وأنني عراقي وطلبت اللجوء السياسي


 سبب خروجي منذ ثلاثين عاماً واستحالة عودتي إلى العراق، يشابه سبب خروج العديد من شباب اليوم، كنت مُلاحقاً من النظام السابق ومرتبطاً بحزب محظور في البلاد. هذا الحزب هو من أمن لي منحة دراسية في بلغاريا، وأمّن لي أيضاً جوازاً من جمهورية اليمن الديمقراطية آنذاك. استطعت، بأعجوبة، تجديده بعد وحدة الشمال والجنوب في اليمن. تقدمت بطلب تأشيرة دخول إلى بريطانيا، فحصلت عليها. فطرت إليها. فور وصولي أخبرتهم بقصتي وأنني عراقي وطلبت اللجوء السياسي.


" الجوازات المزورة" أكثر رواجاً في التسعينيات

العديد من شبان اليوم يحاولون الوصل إلى هذا البلد، يقطعون طرق هجرة مختلفة ومتعددة. البعض لأسباب سياسية. والغالب لأسباب اقتصادية بحتة وصل إليها العراق اليوم نتيجة حروب واستبداد مستمرين. مع أنني قدمت بطريقة شبه شرعية، إلا أنني، منذ ذلك الوقت، عرفت طرق الهجرة المختلفة وحكايات المهربين. وصولي شبه الشرعي قابله وصول غير شرعي لأخي. كان يعمل في ليبيا وعليه الخروج للعلاج. اعتدت سماع قصص المهربين عبر البحر، لكنّ الأكثر رواجاً في زمننا اليوم، هو أمر استخدمه البعض "الجوازات المزورة". استطعنا أن نؤمن له جوازاً. اتجه من ليبيا إلى تونس. قُبض عليه في أوكرانيا بعد أن كُشف أمره، إلا أنه استطاع رشوة ضابط المطار. فأخي يتحدث الروسية بطلاقة. وهكذا دخل إلى الأردن بالجواز الجديد وطار إلى بريطانيا.

قصة لم الشمل بالنسبة لي وله كان أمر يحتاج إلى العمل، وسمعت بصعوبة هذا الموضوع في هذه الأيام، لم يكن هناك وقت للبدء بالمعاملة كان علينا تأمينهم للقدوم، واستطعنا، عائلتي بشكل شرعي وعائلته بشكل غير شرعي عن طريق افريقيا حتى أن بعض الأصدقاء من لبنان وفلسطين وصلوا في تلك الفترة عن طريق أمريكا اللاتينية.

الرحلة الحقيقية تبدأ بعد الوصول

وصولي لم يكن الغاية النهائية، وهو امراً أتشاركه مع شبان اليوم وأعرف تبعاته. انا لم أكن أتقن الإنجليزية. وعلمت أن شهادتي لن تنفعني مئة في المئة. كان على دراسة الأمور بأكملها. فهذا أمر أصر على أهميته دائماً، وأنصح به أصدقاء أولادي من المهاجرين واللاجئين. اعتمدت في أول ستة أشهر على المساعدات الحكومية، حاولت الاندماج عن طريق اختياري مهنة كعامل. وبعد أشهر بدأت الأفكار تنضج في رأسي واستفدت مما تعلمته في الماجستير، وخاصة فيما يتعلق باقتصاد العقارات. بدأت أجري تصليحات في بيوت، أشارك بأخرى وأبيعها، حتى تمكنت من شراء بيت في المزاد وإصلاحه وبيعه. ففتحت شركة خاصة واستطعت أن أؤمن حياة كريمة لعائلتي.

 



أؤمن بأن من يخرج لظروف معينة ويتجه إلى أوروبا، عليه أن يعي بأنها ليست الحلم

الصعوبات التي واجهتها يعانيها جميع من اتحدث معهم اليوم. وأحاول إرشادهم بحسب تجربتي. كلمة الاندماج ليست "ترند" (صيحة) رائجة فقط هذه الأيام، كثيراً ما سمعتها منذ وصلت وهي ليست "كليشيه" (فكرة نمطية). إنها ضرورة لفهم البلد المضيف ودراسته جيداً. أعتقد انها تتم بأكمل شكل عن طريق عاملين هما اللغة والعمل. انا أؤمن بأن من يخرج لظروف معينة ويتجه إلى أوروبا عليه أن يعي بانها ليست الحلم. هناك فرص فيها ولكنها تحتاج لذكاء ومثابرة. أرغب في أن يعرف أي شاب أنني وضعت لنفسي هدفاً وحققته. هذا امر ممكن دائماً. وعلمت أيضاً أن هناك عوائق يجب الابتعاد عنها لتحقيق الهدف والعيش الكريم. العمل غير الشرعي والاعتماد على المساعدات واستغلال الدولة هي أمور لن تنفع اللاجئ على المدى البعيد. بل على العكس تماماً... تماماً... ربما ستهدد فرصة بقائه في هذا البلد.