هيلين عثمان
هيلين عثمان

رحلة اللجوء التي عاشتها السورية هيلين عثمان لم تكن بالأمر الهين وهو ما قد يكون شعارا للكثير من اللاجئين الذين عاشوا صعوبات كثيرة في رحلة لجوء طالت أم قصرت بعيدا عن أحضان الوطن والعائلة. بيد أن المميز قد يكون نجاحها في الوصول إلى ما تصبوا إليه وقدرتها على تمثيل اللاجئين بصورة لائقة بالرغم من وجودها وحيدة في مجتمع غريب بارد كما تصفه، بدون عائلتها التي تشد من أزرها.

هيلين عثمان والتي تصف نفسها بأنها كردية سورية من دمشق، اضطرتها ظروف الحرب للخروج وعائلتها من سوريا بحثا عن الأمن الذي غاب في بلدها، ولم تدر أن رحلة اللجوء التي بدأتها مع العائلة أثناء مغادرتها دمشق في طريقها إلى كردستان العراق ستطول أمدها وستضطرها إلى السفر بعيدا صوب القارة الأوروبية وبالتحديد إلى ألمانيا وحيدة دون عائلتها، ولتبدأ رحلتها الطويلة ومحاولة النجاح من أجل تحقيق ذاتها بعيدا عن ظروف الحرب.

وحيدة في مجتمع جديد

لقد أحببت دمشق، هكذا بدأت هيلين حديثها لمهاجر نيوز وهي تروي لنا عن قصة غربتها التي امتدت لسنوات، وتوضح: زاد حبي لدمشق لدى وصولي لألمانيا أواخر عام 2014. حيث قدمت وحدي في البداية، كنت وحيدة دون عائلتي، وعلى مشارف العشرين من العمر، ولم أكن أجيد الألمانية. مشاعري كانت مضطربة فأنا هنا لدي فرص كثيرة، ولدي أحلام أريد تحقيقها، أريد أن أدرس، وأن أدخل الجامعة، بيد أنه في المقابل كان شعور الوحدة وشعور الغربة، واختلاف المجتمع يتملكني. وهنا أردت اتخاذ قراري إما أن أكون قوية وناجحة وهو ما أردته دوما لنفسي، وإما أن أجعل من شعور الغربة واختلاف المجتمع ينتصر علي.

قراري كان واضحا واخترت التحدي، بدأت بتعلم اللغة وخلال عام أو يزيد كنت قد قطعت مراحل متقدمة في اللغة. أرسلت طلبات قبول للجامعة، الطب كان اختياري الأول، فطالما أردت أن أكون طبيبة، إلا أن فترة الانتظار طالت دون أن يأتيني أي قبول. اضطررت للعمل وقتها، حيث حصلت على وظيفة في مكتب ترجمة في مدينة "إسن" في ولاية شمال الراين فيستفاليا. العمل في هذا المجال ساعدني على إتقان اللغة الألمانية بشكل أفضل.

هيلين عثمان 2

الترجمة مع مكتب الهجرة واللاجئين

لقد قدم لألمانيا عشرات الألاف من طالبي اللجوء لا سيما عامي 2015 و2016، وكوني أتقن العربية والكردية، وبحكم عملي في الترجمة، عايشت العديد القصص والحالات الإنسانية، وهو ما دفعني للمساعدة عبر التطوع للترجمة، لم تكن بداية مساعدتي للاجئين كبيرة في البداية، فقد كنت مشغولة أيضا بتعلم اللغة والعمل ومحاولة الحصول على مقعد جامعي. بيد أنني كنت دائما ما ألمس الحاجة الكبيرة لأهمية التطوع، خاصة لمن لا يتقنون اللغة. رافقت بعض العائلات للطبيب أو لإكمال الأوراق. ولمست أهمية اللغة في الاندماج. وأيقنت أنه من أجل أن أساعد الناس بشكل أفضل، ومن أجل أن أقدم هذه المساعدة بشكل حرفي بحثت عن وسيلة من أجل أن أكون مترجمة محترفة وليس فقط مترجمة.

قدمت أوراقي عام 2017 إلى المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين BAMF للترجمة للغات العربية الكردية والألمانية، وتم قبولي لدورة دراسية خاصة، وبعد اجتياز الدورة بنجاح، وبعدها أصبحت مترجمة معتمدة لديهم. حصولي على هذه الشهادة من المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين، وطلبي للعمل معهم كلما دعت الحاجة أثر في شخصيتي جدا. أدركت أنني حققت أشياء كثيرة، بيد أن عدم حصولي على قبول جامعي لدراسة الطب أثار قلقي. كنت دائما ما أود أن أصبح طبيبة، وقدمت لأكثر من 25 جامعة مختلفة، وكان الرفض الدائم يصيبني بالإحباط.

مستشارة طلابية في الجامعة

بعد فترة انتظار لأكثر من 18 شهرا دون جدوى بدأت أحس أن الوقت بدأ ينفذ، لذلك اتخذت قرارا صعبا بالتشاور مع العائلة وهو محاولة البحث عن قبول جامعي في تخصص آخر. في هذه الأثناء كانت العائلة قد وصلت لألمانيا، الشعور مجددا بأنك فرد من أفراد العائلة، كان شعورا طالما افتقدته، وهو ما شجعني وأعطاني القدرة على البحث، وبعد بحث طويل اخترت تخصص هندسة التقنية الحيوية، هذا التخصص أثار اهتمامي فهو قائم على الأبحاث، وخاصة الطبية ويدخل في عمل المختبرات وصناعة الأدوية وبنفس الوقت لا يبعد كثيرا عن الطب وعلاج المرضى.

بعد تقديمي للطلبات الجامعيةـ أتاني قبول من جامعة هامبورغ وآخر من جامعة مانهايم للعلوم التطبيقية، واخترت الثانية لأنني كنت أود أن أكون قريبة من العائلة وأيضا لسمعة الجامعة في هذا المجال.

دخولي الجامعة ساهم في شعوري أكثر بالأمن الداخلي، لذلك التفت أكثر إلى مجال الأعمال التطوعية. أحسست أنه الوقت المناسب من أجل مساعدة الأخرين، لا سيما اللاجئين، شعور الغربة والوحدة جعلني أكثر إدراكا بأهمية تقديم المساعدة لذلك انتسبت كمتطوعة بمنظمة Otto Benecke Stiftung وأصبحت بعد دورات تدريبية مستشارة طلابية في برنامج الجامعة للطلاب الأجانب.

سعادتي كانت فائقة، حيث استطعت من خلال عملي التطوعي مساعدة وارشاد العديد من الطلبة العرب والأجانب. لاجئين وغير لاجئين. أكبر عائق كان أمام الطلبة الأجانب عدم معرفة حقوقهم وواجباتهم، كيفية استعمال المكتبة، كتابة الأبحاث أو حتى إتمام أوراق التسجيل. كان كل نجاح  حققه الطلبة أشعر وكأنه نجاح لي.

هيلين 3

تقديم نموذج أخر للاجئ

وجودي في الجامعة واتقاني للغة واحتكاكي بالعديد من صناع القرار لعملي أيضا كمترجمة في المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين، ساعدني أن أنقل صورة أخرى عن اللجوء. دعيت مرارا من قبل الألمان من أجل أن أشرح عن ماهية الأوضاع في سوريا، وكنت دوما ما أسعى الى هذا الحوار في الحقيقة، وذلك لإيماني بأنه عن طريق الحوار أستطيع التقرب نحو الآخر وهو هنا الألماني، لم أرد أن أشعر أنني غريبة في هذا البلد أو أن يشعر هو أنني كائن غريب.

رسالتي لكل اللاجئين هي عدم الاستسلام ومحاولة النجاح بشكل دائم. لقد بدأت التأقلم على الحياة في هذا البلد، لم يعد غريبا لي كما كان، أحيانا ما أشرد في ذهني وأتخيل أنني أمشي في شوارع دمشق وطرقاتها، تأخذني نشوة نفسية، بيد أنني أعود إلى أرض الواقع وأجد نفسي هنا، وأقول لولا وجودي في ألمانيا لما استطعت تحقيق هذا النجاح. إن ألمانيا بلد الفرص، وأنا أريد أن أستفيد من هذه الفرص من أجل تحقيق ذاتي والوصول إلى ما أريد.          

حاورها: علاء جمعة