مهاجر تونسي من أصول إفريقية. المصدر: مهدي شبيل.
مهاجر تونسي من أصول إفريقية. المصدر: مهدي شبيل.

مرزوق، شاب تونسي في نهاية العشرينيات، منذ قرابة شهر غادر تونس إلى جزيرة لامبيدوزا بمركب صيد صغير وبعدها نقلته السلطات إلى صقلية ومنها انطلق حتى وصل إلى فرنسا. روى لمهاجر نيوز حكاية خروجه من بلده والسبب الرئيسي الذي دفعه للهجرة.

في نهاية الشهر التاسع أخذت إجازة من العمل لمدة أسبوع، عرفت قبل انقضائها بأيام أن عودتي مستحيلة، لأنني ببساطة عبرت البحر إلى لامبيدوزا. بلغت 28 عاما بعد وصولنا ببضعة أيام، لم أقض يوم مولدي بشكل استثنائي ولكنني شعرت أنني على ما يرام وهو أمر لم أشعر به طوال حياتي التي قضيتها في جرجيس.

لربما يقال إنني كأي شاب تونسي من مدينة ساحلية مطلة على البحر وقريبة من إيطاليا، سأفكر يوماً بالهجرة، كونه الموضوع الأكثر تداولا بين الشباب العاملين والباحثين عن عمل على السواء، وحتى من تخرجوا حديثاً من المدرسة أو الجامعة وليست لديهم طاقة للبحث. لكن وضعي مختلف، ففي بلدي تونس غالباً ما تعرضت لمواقف محرجة ومحزنة بسبب لون بشرتي الداكن. أنا وكثيرين غيري ربما قدمنا من أصول إفريقية ولكننا ولدنا وكبرنا في تونس ونتكلم العربية، ونعرّف عن أنفسنا بأننا ”توانسة“. هذا التعريف المشروع، رفضه ويرفضه الكثيرون لاسيما الكبار في السن وأصحاب الأعمال وبعض المتشددين. في تونس، كبرت وأنا أتعرض لمواقف عنصرية ونظرات اندهاش وكأنني من كوكب آخر.


تخليت عن فكرة الجامعة وعدت إلى جرجيس

أول مشكلة حقيقية واجهتني كانت حينما انتقلت من جرجيس إلى جربا لدراسة الميكانيك، أي منذ أكثر من ست سنوات. كنت في السنة الدراسية الثانية حينها وكان لدي هاجس التفوق. اعتدت البقاء في الجامعة حتى بعد خلوها من الطلاب وفي صفوف التدريب العملي لساعات إضافية وحيداً، أدرس وأجتهد، لم أر طاقة كتلك تبذل من قبل الزملاء ولم أعر انتباهاً إلا لما أردت الوصول اليه.

في موعد الاستحقاق لإحدى المقررات التي التهمتها دراسة وحفظاً وجدتني راسباً. لم أقبل بالظلم وحاولت التحدث مع المدرسة المسؤولة، وانتهت حضرتها إلى نتيجة أنني لا أستحق أكثر من ذلك. مارست عنصريتها غير المباشرة علي وعلمت بعدها فعلاً أن السبب هو سمرتي، فتخليت عن فكرة الجامعة وعدت إلى جرجيس.

عائلتي صغيرة، أبي وأمي وأخي وأختي، وأنا أصغرهم. هم يعلمون أنني لا أرضى بالظلم ولكن لم يكن بيدي سوى حيلة وحيدة، تغيير الاختصاص.. توجهت لتخصص إدارة الفنادق. درست لمدة سنتين توظفت بعدها في أحد الفنادق. هناك واجهت مواقفاً أشد استفزازاً من سابقاتها. المشرف علي لم يرغب بمناداتي بإسمي، كان ينتقي أسوأ الصفات وأقبحها وأكثرها عنصرية ويناديني بها حتى أمام الزملاء. كان فظا لا يقوى أحد مواجهته. وحينما طلبت منه الكف عن ذلك أخبرني بوضوح أن هذه هي طريقته المثلى في الكلام، وهي اللغة التي يتحدث بها.

 بعد فترة لم يجددوا لي عقد العمل. رغبت أن أثبت لنفسي أن العنصرية الاجتماعية، وإن امتدت إلى الجامعة، لا يمكن أن تصل إلى العمل. عملت في فندق آخر، وهذه المرة لم ينعتني المسؤول بأي صفة، لكنه اعتبر أنني الموظف الوحيد في الفندق وأغرقني بمهام تخصني ولا تخصني. هذه المرة لم أرغب بتجديد عقد عملي هناك، هم لم يفعلوا على كل حال.

"شهر أيلول الماضي بدأت الفكرة تنضج"

قلت لنفسي سأجرب الحب، هو الخلاص وإن قست الدنيا. لم تدغدغ قلبي سوى فتاة ذات بشرة بيضاء فاتحة، أحبتني، ولكن حينما أخذت الأمور منحى أكثر جدية، قالت إن أهلها لن يوافقوا علي وأنها لا تستطيع البقاء معي. ضحكت وقلت لها ”والله معك حق“. قررت أن أنسى الحب وأعود لمجابهة حياة الفنادق والمسؤولين العنصريين لأرى إلى أين سأصل، ولكن المفاجأة أن التجربة الأخيرة كانت جيدة. في الفندق الأخير، تعاملت مع مسؤولين، أحدهما أبيض والآخر أسمر، لا عنصرية ولا من يحزنون إلا أن الأمر وحده أحزنني وشعرت بجسدي غير قادر على الاحتمال.

من لامبيدوزا إلى فرنسا

في شهر أيلول/سبتمبر الماضي بدأت فكرة الخروج تنضج. هاتفت صديقي أسامه وكنا قد علمنا من بعض الأصدقاء عن مشروع سفر إلى أوروبا، وليس علينا سوى مشاركة آخرين ثمن القارب. أخبرت عائلتي، قالوا: اذهب. في الثالثة بعد منتصف الليل من بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر كنا في لامبيدوزا الإيطالية بعد رحلة في البحر استغرقتنا أكثر من 30 ساعة.

لم نعرف كم من الوقت سنمكث في لامبيدوزا. قالوا إن الإجراءات الإدارية هناك لن تأخذ أكثر من يومين، لكننا أمضينا قرابة عشرة أيام هناك. كان كل شيء فوضويا، لم يعلم أحد ما هي الخطوة التالية، خاصة بعد سماعنا عن إعادة الكثيرين إلى تونس. قلت لن أعود، أتوق إلى الحرية بلا أي تجهم من لون بشرتي. بعد الأيام العشرة أودعتنا السلطات جزيرة صقلية بسفينة كبيرة وقيل لنا إن العمليات الإدارية ستستكمل من هناك، فهناك مركز إيواء رسمي للمهاجرين.

أودعونا في حجرات صغيرة ضمن بناء كبير بدا كفندق، لا أعلم إن كان تابع لمركز إيواء المهاجرين الذين حدثونا عنه، كان الأمر غريباً جداً، بعد أن دخلنا الغرفة أنا وصديق، قال لنا مسؤول إننا سنرى محامي بعد يومين لنشرح له قصتنا ونجهز ملف طلب اللجوء، ولكن كان بإمكاننا الخروج من هذا المكان متى أردنا. لم أنتظر المحامي. في اليوم ذاته اخترت الخروج، اشتريت تذكرة باص إلى روما ومنها إلى باريس عبر الطائرة.

رحلتي لم تكن سهلة،  لكن ما دفعني إليها هي كلمة واحدة لطالما عانيت منها.. العنصرية.