مخيم الريحانية الحدودي. أرشيف
مخيم الريحانية الحدودي. أرشيف

أحمد العلو، طالب لجوء سوري في تركيا، تواصل مع مهاجر نيوز لسرد قصة تعرض ابنته للشلل الدماغي نتيجة الإهمال الطبي هناك، وعدم تمكنه حتى اللحظة من الحصول على حقه. أحمد تقدم بطلب إعادة توطين لدى مفوضية اللاجئين. وبعد طول انتظار، جاءته الموافقة للسفر إلى فرنسا، لكن إجراءات مكافحة جائحة كورونا أجلت سفره، ومازال ينتظر.

ابنتي اسمها ميرال، منذ ولادتها وهي تعاني من مشكلة وجود فتحة في قلبها. اعتدت المجيء إلى تركيا منذ ولادتها لعلاجها في المستشفيات هنا، فالوضع الطبي في سوريا مكان إقامتي غير مؤهل للمتابعة الصحية المستمرة لحالة ابنتي.

عندما كانت ميرال تبلغ من العمر خمسة أشهر، قال لي الطبيب في مستشفى جامعة عنتاب إنها بحاجة لعملية قسطرة، وأنه سيتصل بي عندما يحين موعد العملية.

وردني اتصال منه في شهر تشرين الثاني\نوفمبر 2015، طلب مني أن آتي بالبنت كي تخضع للفحوص اللازمة تحضيرا لإخضاعها للعملية. إلا أن ميرال كانت مصابة حينها ببرد شديد، فآثر الطبيب تأجيل العملية لحين شفائها تماما من البرد.

حدد لي موعدا جديدا بتاريخ 15 نيسان\أبريل 2016 لإجراء العملية.

إلا أن حال الطفلة تدهور ابتداء من الأول من نيسان\أبريل 2016، أصيبت ميرال بالتهاب في الصدر، أخذتها مباشرة إلى مستشفى كلّس. الأطباء هناك حولوني إلى مستشفى الأمريكان في عنتاب. بمجرد وصولي هناك تم إيداع ميرال غرفة العناية الفائقة كونها تعاني من مشاكل في القلب.

حتى الآن ميرال كانت بصحة جيدة وبحالة وعي كامل، في اليوم التالي من مكوثها في المستشفى كانت تحاول النزول من السرير والمجيء معي إلى المنزل. لكن الحال اختلف تماما في اليوم التالي.

عندما جئت لزيارتها، لم تكن على طبيعتها، كان تنفسها صعبا جدا. الممرضة قالت لي إن نسبة الأوكسجين منخفضة في دمها. لم يكن أحد يهتم بها، ولكن ما الذي يمكنني فعله، في النهاية هي في المستشفى وفي المكان الذي من المفترض أن تتلقى فيه الرعاية المناسبة.

جلطة دماغية أم إهمال طبي؟

في اليوم التالي، حضرت للمستشفى لأكتشف أنهم وضعوها تحت جهاز تنفس اصطناعي، وبقيت على تلك الحال 20 يوما، إلى أن جاء أحد الأطباء لفحصها وسألني "هل كانت ابنتك تعاني من أي أمراض أو عوارض قبل مجيئها إلى هنا غير الواردة في التقرير الأساسي؟"، طبعا قلت له لا. ليعود ويلقي علي صاعقة هزت كياني، "ابنتك تعرضت لجلطة دماغية وهي مشلولة الآن".

لا أريد الدخول بالحالة النفسية التي سيطرت علي وعلى والدتها في حينه، إلا أننا شعرنا أن عالمنا انهار.

الأطباء في المستشفى حولوني إلى مستشفى الأطفال في غازي عنتاب حيث بقيت لفترة في العناية الفائقة.

في أحد الأيام وأثناء زيارة الطبيب الروتينية لتفقد حالة ميرال، سألته عن العلاجات المفترض اتباعها في حالات الجلطة الدماغية، لأعرف ما الذي يمكنني فعله لابنتي. نظر إلي الطبيب وقال "ميرال لم تتعرض لجلطة، الشلل الدماغي لديها ناتج عن تعرض دماغها لنقص في الأوكسيجين".

"كيف ستتمكن من إكمال حياتها؟"

بعد هذه الجملة بدأت معاناة من نوع آخر، حولونا من مستشفى الأطفال في غازي عتاب إلى مستشفى أولوس في أنقرة. بعد فحصها أكد لي الطبيب أن ما من علاج لها. طلبت منه تقريرا طبيا بهذا الكلام من أجل أن أتمكن من استخدامه للبحث عن فرصة لعلاجها في الخارج، تفاجأت برفضه. بعد أخذ ورد وطول نقاش، وافق على إعطائي تقريرا يفيد بأن لا علاج لحالة ابنتي في المستشفى لديه.

حملت ابنتي وعدت فيها إلى عنتاب، طوال الطريق كانت الهموم تختلج صدري، الأفكار السوداء لم تفارق بالي، ما الذي سيحصل لميرال؟ كيف ستتمكن من إكمال حياتها؟ هل سأتمكن من توفير العلاج الشافي لها في الخارج؟

تقدمت بشكوى ضد المستشفى الأمريكي عن طريق مديرية الصحة في غازي عنتاب، لأكتشف لاحقا أن الطبيب المكلف بمتابعة قضيتي صديق للطبيب "المجرم" المسؤول عن حالتها الآن، وأنه لم يولي ملف الشكوى أي اهتمام. توجهت للشرطة وتقدمت بشكوى هناك، إلا أنني لم أحصل على نتيجة أيضا. رفعت صوتي لدى كافة الجهات المعنية، أو التي شعرت بأنني سأتمكن من تحصيل حق ابنتي من خلالها، إلا أنني لم ألق جوابا حتى الآن. حتى المحامي الذي أوكلته القضية قبل سنتين، حتى الآن لم نحضر جلسة واحدة في المحكمة.

السفر المعلق إلى فرنسا

يئست، وقررت الهجرة. في غازي عنتاب، تقدمت بطلب إعادة توطين لمفوضية اللاجئين عبر منظمة "آسام" غير الحكومية. طال الوقت ولم يصلني جواب من المفوضية. اتصلت بهم لأسأل عن ملفي، الموظف قال لي إن الملف عالق لدى دائرة الهجرة التركية. توجهت لدائرة الهجرة في عنتاب عدة مرات، إلا أن الحرس كانوا يطردوني ف كل مرة.

في 23 تشرين الأول\أكتوبر 2019، توجهت إلى مكتب والي كلّس مصطحبا ابنتي. رجل الأمن على باب مكتب الوالي طردني، إلا أنني لم أستكن وبقيت واقفا في مكاني إلى أن حن على ابنتي. سألني عن حالتها فسردت له القصة كلها، أدخلني إلى مكتب معاونة الوالي، لم تصدقني في البداية، لكنني أسمعتها المكالمة التي دارت بيني وبين موظف الأمم المتحدة.

طلبت مني التوجه إلى دائرة الهجرة بعد أن اتصلت بهم وطلبت منهم حل هذه القضية. بالفعل، بمجرد وصولي لمكتب دائرة الهجرة، وجدت موظفين بانتظاري هناك. أخذوا أوراقي وبعد ساعة عادوا إلي ليقولوا لي إنه لدي موافقة للذهاب إلى فرنسا، وعلينا البدء بالإجراءات الإدارية.

وخلال انتظارنا الانتهاء من المعاملات الإدارية للسفر، جاءت جائحة كورونا لتقضي على الأحلام والتوقعات، مازلنا هنا بانتظار ما سيحل بنا بعد الجائحة، نأمل أن لا يطول الأمر لأتمكن من علاج ابنتي وأراها تكبر كسائر أبناء جيلها.