صورة لمطار شارل ديغول. المصدر: بيكسابي PIXABY
صورة لمطار شارل ديغول. المصدر: بيكسابي PIXABY

ترك السودان مرغما، فعمله في الحقل الإنساني بات محدوداً وبدأت الإهانات والتهديدات تأخذ منحى أكثر جدية، ما دفعه للخروج. لحسن الحظ ، كانت لديه تأشيرة دخول إلى فرنسا، بحكم عمله مع شبكات تابعة لـ"اليونيسكو" (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة). وصل شوقي إلى فرنسا وبات عليه اتباع خطوات اعتاد تلقينها لمن عمل على مساعدتهم قبل خروجه. روى لمهاجر نيوز أسباب خروجه من بلده وكيف تدبر أموره عندما وصل إلى باريس.

لم تكن الساعة تجاوزت منتصف الليل، دخلت إلى المنزل متعبا. رأيت ظل أمي في غرفة الجلوس. دخلت إليها. جلست بقربها ونظراتها مصبوبة على هاتفها الجوال. "أمي أريد إخبارك بأمر"، قلت لها. حررت عينيها نحو وجهي بهدوء، قرأته وكأنما علمت ما بي.

سأترك السودان وسأسافر إلى الخارج في أقرب وقت ممكن، نطقتُ الحروف المرتبكة وأنا أراقب عينيها. لازمتني نظراتها وانطلق لسانها هادءا صافيا بالقول "حماك الله أينما حللت، اذهب". كلماتها أنزلت فيّ سكينة لم أكن شعرت بها منذ زمن طويل، منذ أن وصلتني التهديدات وتعرضت للضرب والإهانة لأنني أعمل في الحقل الإنساني والمنظمات المدنية في السودان.

اسمي شوقي، رحلت عن السودان عام 2018. لم أكن أرغب بذلك ولكنني أرغمت على السفر للبحث عن مكان آمن أساعد فيه الغير وأفكر في السودان وأعمل وأتطوع وأتطور. قصتي باختصار بدأت حينما كنت في جامعة الخرطوم وتحديدا في 2016، كنت طالبا في كلية الهندسة ومتطوعا في منظمات مدنية. 

"حتى وصل بهم الحال إلى ضربي وإهانتي"

عملي تمحور حول نشر الوعي المجتمعي وحقوق المرأة والإنسان ومساعدة النازحين في دارفور، ومن طُردوا من أماكنهم وبيوتهم بسبب نزاعات وفوضى خلقها النظام الذي كان قائما هناك. في ذلك العام لم يعد من الممكن للهيئة الطلابية التابعة للحزب الحاكم أن تحتمل شبانا مثلي، كثرت محاولاتنا كطلاب وكمواطنين منذ بداية الربيع العربي للتغيير وتوعية الشباب والانتباه لحقوقنا وإدراك واجباتنا. خرجنا في مسيرات جامعية تدعم حقوقنا وكنت أكثف من عملي التطوعي. كل اجتماع للمنظمات المدنية نتجت عنه تهديدات طالت العاملين والمتطوعين بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى وصل بهم الحال إلى حجزي في مكان في الجامعة وضربي وإهانتي وإمطاري بالعديد من الأسئلة.

تخرجت، ولم أتعلم من دروسهم في الاستبداد. لهذا تابعت العمل المدني بل وأصبحت أكثر من متطوع، بتّ أعمل في منظمة دولية تسمى منظمة السلام المتحدة، وشبكات تدعمها "اليونيسكو" وأصبحت مسؤول البرامج والمبادرات فيها. كنت أحاول كل يوم تهيئة مبادرات لتأمين الاحتياجات الأساسية لنازحي دارفور وجنوب السودان، وكانت حركتنا مراقبة باستمرار ولا يسعنا سوى فعل القليل.

على الرغم من عيشي المستمر في ظل تهديدات مبطنة ومباشرة، حاولت كسر الخوف والتحدث عن أمور لم يكن يسمح لنا التحدث فيها، كحقوق النساء في السودان وموضوع الختان بالتحديد.

باتت حركتي محدودة جداً، وبدأ النظام يتحكم بجميع المفاصل بما فيها حركتنا كمجتمع مدني.

"تركت بيتنا وتوجهت إلى المطار"

إخوتي عرفوا ما عانيته وارتاحوا عندما علموا بأني سأذهب، وبعد شهر من حديثي مع والدتي وفي منتصف عام 2018 تركت بيتنا وتوجهت إلى المطار.

لم أرتح هناك، فالمطارات في السودان لطالما ربّت فيّ قلقا غريبا، لا يختفي إلا بخروجي من البلد دون اعتقال أو دخولي دون مشاكل، خاصة وأن الاوضاع السياسية وصلت أوجها. 

حملت معي قلقي ودخلت إلى المطار، تتالت الخطوات بسلاسة ولم يوقفني أحد. خطوت إلى الطائرة وما إن جلست وتهيأنا للإقلاع حتى أتاني خاطر. لوهلة رأيت حياتي كاملة، أمي وأبي وإخوتي وأصدقائي والناس والعمل المدني وحياتي والسودان... السودان.

 شاهدت ما عرضت ذاكرتي بغصة، وأدركت أنها سفرة بلا عودة قريبة كما في كل مرة. سأغادر وطني اليوم وها هي الطائرة قد أقلعت.

"ما العمل الآن؟ لا أعرف بالضبط"

خرجت من مطار شارل ديغول أشعر بأول انتصار لي. ما العمل الآن؟ لا أعرف بالضبط.

للمصادفة كنت أعلم جيدا كيفية تقديم طلب اللجوء، بسبب خبرتي العملية في السودان ولكن لم أفكر بيوم أنني سأقوم بالأمر.

توجهت فورا إلى الصليب الأحمر وأخبرتهم بما أسعى لفعله، فحصلت على سكن في مركز إيواء في الدائرة 18 في باريس، لم يكن بيتا ولا نزلا، إنما كان عبارة عن قاعات كبيرة غصّت بالأسرة. مكثت هناك وتعرفت على جنسيات مختلفة وبت أنا طالب لجوء فحسب، وبدأت الغشاوة والاضطراب بالانسلال إلي.

قررت صب تركيزي في أمر واحد، اللغة، هي المفتاح للبدء في هذا البلد. درست اللغة بداية في المكتبة وبعد فترة انضممت لجمعية وثابرت على حضور الدروس، وبعدها قُبلت ضمن مجموعة في جامعة فرنسية لدراسة إدارة المشاريع Ecole des ponts et chaussées، وسعت مداركي بين الإدارة والعمل المدني وبدأت أعيد وصل النقاط في رأسي عما عرفته سابقاً في مجال العمل الإنساني وما يمكن أن أتعلمه الآن. بعد فترة، قبلتني الجامعة لإتمام دراساتي العليا في قسم إدارة الأعمال، اختصاص إدارة الابتكار أو ما يسمى بـinnovation management وكنت قد أصبحت لاجئاً بشكل رسمي.

"الفترة الانتقالية"

أنهيت الدراسة الجامعية وبدأت أشعر أنني أستطيع استئناف ما كنت قد بدأته في السودان، وأنني بت أكثر انخراطا في العمل الإنساني لأنني لم أعد مجرد شخص يتعامل مع آخر ذو واقع قاس، بت شخصا يعيش هذا الواقع ويفهمه جيدا.

 تواصلت مع جميع من أعرفهم حتى رأيت إحدى المنظمات المعنية بتغيير الصورة النمطية للمهاجرين واللاجئين واسمها Place.Network قد قبلت بتوظيفي، وكانت تلك هي الفترة الانتقالية في حياتي هنا.

استعدت الثقة والدأب والمثابرة، عملت بداية كمنسق وبعدها كان لي دورا في المبادرات. أنا لاجئ وأعمل على تغيير الصورة النمطية للاجئ. وأصبح الهدف الإنساني ماثلاً أمامي أراه وأعمل عليه كل يوم، يشمل السودان وأماكن أخرى لم أكن أعرف الكثير عنها. حلمي لم أحدده بعد وحتى أهدافي مؤجلة، إلا بما يخص العمل الإنساني، فمقولتي في الحياة لا تزال أن أكون إنسانا جيداً وصوتاً لمن لا صوت لهم.

اليوم أعمل دون قيود، وتكبر الخطط لكن أعرف أنني لا استطيع الابتعاد عن السودان.. في فكري إنها هناك.. عشت فيها زمنا وهي تعيش الآن في ركن داخل قلبي وعقلي.