ملصق فيلم "من أجل سما"، لوعد الخطيب وإدوارد واتس.
ملصق فيلم "من أجل سما"، لوعد الخطيب وإدوارد واتس.

وعد الخطيب هي مخرجة أفلام حائزة على جوائز عن فيلمها الوثائقي "إلى سما"، تشرح فيه لابنتها لماذا قررت هي وزوجها حمزة البقاء في شرق حلب حتى بعد الحصار. استخدمت الخطيب زخم الفيلم لرفع الوعي بالوضع الحالي في سوريا.

الفيلم كان سبباً في دفع الخطيب إلى الاستمرار والرغبة في البقاء على قيد الحياة، "تصوير الفيلم جعل كوابيسي تستحق المعاناة"، وتضيف بصوت هادئ عبر الهاتف لمهاجر نيوز: "سواء أوقفت هذه الكاميرا أم كنت أصور، حياتي كلها خلف هذه الكاميرا" .

وتوضح أنه على عكس المراسلين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا لتغطية الحرب لبضعة أيام فقط، فإن وضعها كان "مختلفا تماما"، "إنه ليس شيئًا أتيت لتغطيته ثم سأغادر، هذا هو المكان الذي عشت فيه، هؤلاء هم شعبي".

انتقلت الخطيب إلى حلب من أجل الدراسة وعمرها 18 عاما، ومنذ ذلك الحين أصبحت المدينة موطنها، كما تذكر في الفيلم، حيث بدأت مع زملائها الطلاب في بداية الثورة السلمية عام 2011 بالتظاهر "من أجل الحرية " والدعوة إلى نهاية نظام الأسد.

القتال من أجل الحرية

بدأت الخطيب الفيلم برسالة إلى ابنتها سما: "في ذلك الوقت، كل ما كنا نهتم به هو الثورة. [...] عائلة الأسد كانت في السلطة مذ أن كان جدك في العاشرة من عمره". إن طريقتها اللطيفة في رواية القصص والتحدث إلى الأطفال، وكذلك البالغين، توفر تناقضا صارخا مع أهوال وحشية انتهاكات حقوق الإنسان والحرب التي توثقها طوال الفيلم.


"حتى عندما أغمض عيني أرى اللون الأحمر"، تروي الخطيب بينما تحلق في الكاميرا فوق الدم على الأرضيات المبلطة في المستشفى، وتنقل صور أطراف المرضى ووجوههم المشوهة والمغطاة بالدم، "الدم في كل مكان، على الجدران، الأرضيات، ملابسنا، في بعض الأحيان كنا نبكي دماً".

في مرحلة ما من الفيلم، تسأل الخطيب صبيا صغيرا يقف في ممر المستشفى: "ماذا حدث للتو؟"، ويشرح الطفل بهدوء "عائلتي ماتت". تُظهر اللقطة التالية رجلا بالغا وهو يصرخ بيأس ويهزّ ابنته المستلقية على سرير في المستشفى: "استيقظي، استيقظي، استيقظي"، في هذين المشهدين تصور الخطيب مأساة مزدوجة: فقد أُجبر الأطفال بطريقة ما على قبول الواقع من حولهم، بينما لم يعد البالغون قادرين على ذلك.

"أصيبت بقنبلة عنقودية"

في مشهد آخر، يرسم الأطفال حافلة مفخخة،وتسأل الخطيب الطفلة المجاورة لها: "ماذا حدث للحافلة؟"، وتجيبها الفتاة الصغيرة على نحو شبه واقعي: "لقد أصيبت بقنبلة عنقودية"، هذه الإجابة أصابت الخطيب، من خلف الكاميرا، بالصدمة، "لم أكن لأتصور أبدا أنها ستعرف حقاً ما حدث، إنه أمر غريب للغاية ومحزن للغاية ولا يصدق حقا كيف يتكيف الأطفال مع هذا العالم ويتقبلونه".


جثث في النهر

توضح الخطيب أنها قامت بتصوير زوجها حمزة منذ البداية لأنه كان "أحد الأطباء القلائل النشطين". بدأوا كأصدقاء مقربين ووقعوا في الحب تدريجيا، وتروي لابنتها "سما" في الفيلم:"إنه الشخص الوحيد الذي يريحني مهما كان الوضع"، وذلك أثناء توجههم إلى مظاهرة في بداية الاحتجاجات.

في أعقاب مذبحة ضد المتظاهرين المناهضين للنظام في 29 يناير 2013 ، يشرح حمزة: "اليوم استيقظت حلب على مذبحة، وهذا أقل ما يقال"، كانت جثامين القتلى تسحب من النهر ويتم صفها فوق بعضها البعض على الأرض.

يخاطب حمزة الكاميرا قائلا:"الفحص الجنائي الأولي يظهر علامات واضحة على التعذيب في معظم الجثث"، ورغم أن الجثث التي يبدو أنها ترتدي نوعا ما من زي الكاكي، إلا أن حمزة يؤكد أن "جميع الجثث كانت مقيدة بالأصفاد، و تم إعدام معظمهم برصاصة في الرأس".

"قررنا البقاء"

"يشعر جداك بالخوف علي يا سما"، هكذا تخبر الخطيب ابنتها عن قرارها وقرار حمزة بالبقاء في حلب، وتوضح عبر الهاتف:"كان لدينا الكثير لنقدمه، زوجي أيضا اختار الثورة على زواجه وبقي في حلب حتى بعد مغادرة زوجته الأولى".

غطت الخطيب معركة حلب مع القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني وفازت بجائزة إيمي الدولية عن عملها، وعندما أجبرت هي وحمزة على مغادرة حلب في عام 2016، تمكنت من المغادرة مع جميع اللقطات التي صورتها، وجمعتها في فيلمها "For Sama" إلى جانب المخرج إدوارد واتس، من القناة الرابعة.

حصد الفيلم عدة جوائز ورشح لأخرى بما في ذلك أفضل فيلم وثائقي في كان عام 2019، والبافتا في المملكة المتحدة عام 2020.

 

العمل من أجل سما

بدأت الخطيب الآن حملة تدعى بـ"العمل من أجل سما"، وذلك من أجل رفع الوعي بضرورة مساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب في سوريا، "أريد أن أنشر الوعي بمعاناة أولئك الذين يعيشون تحت القصف وأن أدعم بطولة المجتمع المدني السوري".

الوداع

توضح الخطيب أنها تستطيع مشاهدة كل فيلمها اليوم باستثناء النهاية، حينما أجبرت هي وحمزة على مغادرة حلب التي يقاتلان من أجلها، "قول وداعا أسوأ من الموت".

"هل تلومينني على البقاء هنا؟" تسأل الخطيب ابنتها في الفيلم، وتعيد السؤال مرة أخرى بصيغة مختلفة بعد انتظار دام لخمسين ساعة في الثلج وأثناء بحثهم عن الدفء بين المباني المدمرة، "وهل تلومينني على الرحيل الآن؟".

تلتقط الكاميرا ملامح حمزة، وتسأله الخطيب عن مشاعره اتجاه المغادرة، "الأماكن تدور حول الناس" هكذا يجيبها، بينما تمزق دمعة منفردة وجهه.

تودع الخطيب منزلها، وتحتفظ بنبتة من حديقتها حتى "تنمو خارج حلب"، وفي تركيا استقبلا ابنتهما الثانية تيماء. وفي نهاية مايو 2018 وصلت العائلة إلى لندن، حيث تعمل الخطيب في قناة الأخبار الرابعة، فيما بدأ زوجها إكمال درجة الماجستير في الصحة العامة.

كوابيس

تقول الخطيب أنها ستعرض الفيلم لسما عندما تكون جاهزة، فهي في الرابعة من عمرها فقط، مضيفة أنها ما زالت لا تعرف كيف ستؤثر تجارب الحرب والحصار على ابنتها، "قضينا وقتا صعبا بعد مغادرتنا حلب، كانت لديها الكثير من الكوابيس، إنها الآن بخير تماما وآمل ألا تتأثر أبدا، لكننا لا نعلم متى يمكن أن تعود إليها هذه الكوابيس؛ عندما تكون في الثامنة أو العاشرة أو العشرين. نحتاج فقط أن نكون على علم بذلك ونحاول التعامل معه".

وتشرح قائلة إنها لاحظت اختلافات بين الشقيقتين وإنه من المهم عدم تجاهل التأثير التي تعرضت له سما، وتحاول الأسرة الآن التركيز على المستقبل والإيجابيات، ولكن "لا يمكن لأحد أن يتجاهل ما حدث لنا".

وتروي الخطيب عبر الهاتف أن سما لا تتحدث عن حلب الآن، على الرغم من أنها تعرف أن هذا هو المكان الذي ولدت فيه. ولكن في لندن حيث تقيم، فإن ابنتيها يتكلمن بلهجة إنجليزية، فيما تكافح هي من أجل المحافظة على لغتهن العربية، كما تقول.


الأشخاص الذين صورتهم لن يغادروا ذاكرتي أبدا"

تذكر الخطيب لمهاجر نيوز أنهم سعداء، ولكن هناك حزن أيضا، فالحلم الذي شاركته وتقاسمته مع حمزة كان مختلفا، كان حلما لسوريا مختلفة عما هي الآن.

الفيلم يحتوي على أشخاص لاقوا حتفهم في الحرب الدائرة في سوريا، "من صورتهم لن يغادروا ذاكرتي أبدا، ولا أندم على أي شيء رغم وجع قلبي، وسأفعل الشيء ذاته مرة أخرى".

تشرح الخطيب أن ما لا تستطيع التعايش معه هو نهاية الفيلم، "فعلنا كل شيء للبقاء، كنا نعرف أن حياتنا معرضة للخطر، لكننا لم نتوقع يوما أننا سنضطر إلى الفرار، حتى بعد مرور 3 سنوات لازلت غير قادرة على التعايش مع هذه الفكرة".

تعرف الخطيب أن العودة إلى حلب "بعيدة جدا، ولا تتوقع حدوثها قريبا"، وهي لا تصدق أن الناس لازالوا على ما يرام مع ما يحدث في سوريا، "هناك العديد من الأشياء المعقدة التي تحدث هناك، ولكننا نحاول أن نجد طريقنا، لا يمكن في هذه الحالة أن تفصل حياتك الشخصية عن الوضع السياسي"، مضيفة أنهم كانوا من أكثر العائلات حظا كونهم تمكنوا من الخروج معا، " لدي زوج، وعلاقتنا رائعة لكن لا يمكنك التفكير في هذا ونسيان كل شيء آخر. لا يمكنك تجاهل كل ما يحدث في سوريا كل يوم".

إيما واليس/ م.ش