صورة من الأرشيف لمهاجرين على متن قارب مطاطي في المتوسط. المصدر: أليانس بيكتشرز
صورة من الأرشيف لمهاجرين على متن قارب مطاطي في المتوسط. المصدر: أليانس بيكتشرز

كانديا، مهاجر غيني كان على شفير الموت غرقا في المتوسط. ففي تموز/يوليو الماضي صعد على متن قارب مطاطي برفقة 84 مهاجرا للوصول إلى أوروبا. أخبره المهربون أن الرحلة لن تستمر أكثر من ساعات، لكنها استمرت لخمسة أيام كارثية. في اليوم الخامس وبعد أن فقد الأمل بالحياة، حصل ما لم يتوقعه أحد ونجا كانيا ورفاقه المهاجرون. بعد إنقاذه سافر إلى فرنسا، وهو مقيم فيها منذ نحو شهر.

بدأت حكاية كانديا (28عاما) من اللحظة التي صعد فيها على متن قارب مطاطي، عند ميناء الجايالات الليبي، برفقة 84 مهاجرا بينهم ست نساء وطفلين. يريدون الوصول إلى إيطاليا بأي طريقة، بحثا عن مستقبل أفضل. 

اعتقد المهاجرون أن رحلتهم ستنتهي بعد ساعات قليلة من انطلاقهم. وربما تستمر ليوم واحد، كحد أقصى. المهربون كانوا أخبروهم أن سفينتي إنقاذ تجوبان المنطقة ستسارعان إلى إنقاذهم، لذا لم يحمل المهاجرون معهم أي طعام أوشراب، ولم يفكر الجميع أن يقوا هواتفهم المحمولة بأكياس بلاستيكية.

من دون أي شيء يعينهم على الرحله، وبعد مضي ساعات، وجد كانديا ورفاقه أنفسهم في عرض البحر. لا سفن إنقاذ ولا طعام ولا ماء. إنهم معزولون تماما وسط الموج والرياح. يروي الشاب العشريني لمهاجر نيوز:

في اليوم الأول كان القارب لا يزال يعمل. جلست إلى جانب ”قبطانين“، كانا من المهاجرين الذين عرفوا كيفية قيادة المراكب. فالمهربون اختبروهما قبيل انطلاقنا بقليل، وحملوهما مسؤولية القيادة مقابل عبور مجاني. وعادة ما يتجنب المهربون إرسال أشخاص لا يعرفون تدبر أمورهم في البحر بمفردهم، هذا من شأنه أن يتسبب في فقدانهم الزبائن.

أحد القبطانين وهو شاب من غينيا، مثلي. كان المسؤول عن مراقبة البوصلة لمعرفة الاتجاهات وتحديدها، لكنه في الواقع لم يعرف كيفية استخدامها. كنت أراقب البوصلة معه، وفجأة وجدت نفسي أقول: "لا، لا يمكن ذلك. نحن نتجه إلى تونس". نجحنا أخيرا في تغيير مسار القارب. لكن في صباح اليوم التالي نفد وقود القارب وتوقف ونحن على متنه في عرض البحر. اتصلنا برقم هاتف حصلنا عليه في ليبيا، من المفترض أنه رقم هاتف الإغاثة الدولية، لكن الرقم لم يعمل.

شعرنا بالصدمة، كان الجميع يصرخ وبكت النساء. اعتقدنا أننا سنموت، لم نعتقد أنه لدينا أي خيار. اتصلنا بخفر السواحل الليبي وطلبنا منهم القدوم لمساعدتنا لكنهم قالوا إنهم لن يأتوا. 

”أخذه الموج بعيدا… كنا لا نزال نراه ولكن لم نستطع فعل شيء“

فصلنا المحرك وألقيناه بعيدا لجعل القارب أخف وزنا. هبت عاصفة شديدة ففكرنا في توظيفها لتحريك القارب إلى الأمام، لكنه لم يكن في وضع يسمح بتحريكه على نحو صائب. قال مهاجر بيننا، إنه يستطيع السباحة، لذا سيقفز في الماء ويساعد على توجيه القارب. قفز وحاول أن يوجه القارب إلا أن الأمواج العنيفة دفعته بعيدا من القارب. صرخ صديقنا، وعند كل صرخة كان الموج يقذفه إلى بعيد، تلاشى الصراخ، ورحل بين الأمواج حتى غاب. كنا لا نزال في البحر ولا نعرف ما العمل، استطعنا رؤيته من بعيد أحيانا، لكن لم يكن بإمكاننا التصرف.

مرت علينا أيام ثلاثة رياحها ثقيلة وموجها مرتفع وغاضب ثقب قاربنا من أحد الأماكن. واظبنا على رفعه من جهة الثقب كي لا تدخله الماء فنغرق نهائيا. شرب بعضنا من مياه البحر وعانوا من آلام في البطن. حاولت شرب مياه البحر لكني لم أستطع ابتلاعه، حلقي كان جافا بالكامل ومحتقن، وصعب علي البلع.

”في القارب، إن كان من يجلس بجانبك يتحدث لغتك، فأنت محظوظ“

في قارب كهذا، لا تسمع سوى من يتكلم بجوارك. لا يمكن سماع من هم في الطرف الآخر. وإذا كنت إلى جوار شخص يتحدث لغتك، فأنت محظوظ. وأما أنا فكنت لا أزال مجاورا مسؤول البوصلة، وكنت محظوظا بالفعل لأنه من غينيا. 

خلال الأيام الثلاثة الأولى، لم أذق طعم النوم وفي اليوم الرابع بدأنا نفكر، "إذا لم يأت أحد لمساعدتنا الآن ، فسنموت جميعا". حينها أخرج مهاجر سوداني هاتفه الذي حماه من ماء البحر. لم يعمل الهاتف ولكننا استفدنا من وضعه كهذا. أزلنا الجزء المعدني الخارجي منه، وجردنا سلك الشاحن المرافق ووضعنا الأسلاك الموجبة والأسلاك السالبة على بطاريته وتمكنا من شحنه قليلا ريثما نقوم باتصال أخير.

كان أحد الركاب احتفظ برقم قارب إنقاذ، اتصلنا به. سمعنا شخصا يرد علينا في الطرف الآخر. يالها من معجزة. سألنا عن موقعنا ولكن لم نكن نعرف أين نحن. قال إنهم سيرسلون طائرة مروحية للبحث عنا، وفي تلك الليلة فقط غلبني النعاس، فنمت.

في اليوم التالي، جاءت ناقلة نفط إيطالية كبيرة باتجاهنا. أنقذتنا ونقلتنا إلى صقلية. فصلونا في مجموعات صغيرة. عالجوا ملفي الخاص ونُقلت إلى فرنسا. صديقي صاحب البوصلة يعيش في باريس. لم ألتق به منذ ذالك الحين، لكننا نتواصل من خلال الرسائل النصية نقول لأنفسنا إننا نجونا بفضل الله. الحديث معه يذكرني بما حصل ويذكرني أيضا من أنا ومن أين جئت.