معرض فني للاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ
معرض فني للاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ

من رحم الصعوبات والتحديات يبعث الإبداع والأمل، هذا ما حدث بالضبط مع اللاجئ السوري اسماعيل الحموي، الذي وصل إلى مدينة لايبزيغ بألمانيا في أواخر عام 2014 ، بحثاً عن الاستقرار والسلام بعيداً عن الحرب الطاحنة في سوريا، ليجد نفسه مجدداً يبدع في أعماله الفنية التي عرضت في معرضه الأول في لايبزيغ لينقل رسالته إلى المجتمع الألماني.

كشأن العديد من السوريين الذي عبروا البحر ونجوا من خطورة الرحلة ليصلوا إلى بر الأمان في أوروبا، وصل اسماعيل الحموي إلى مدينة لايبزيغ في أواخر عام 2014. وسارع بعد حصوله على حق اللجوء إلى استكمال دورات تعلم اللغة الألمانية والاندماج، التي وصل فيها إلى مرحلة جيدة وحصل على شهادة (b2)، ليبدأ رحلة جديدة في البحث عن عمل في تخصصه في لايبزيغ. إذ كان قد درس في سوريا الهندسة الميكانيكية وعمل فيها لسنوات عديدة. فأراد أن يتابع العمل في هذا المجال الذي يحمل فيه خبرة سنوات طويلة. غير أنه قد اصطدم بصعوبات كبيرة جعلت الطريق في تحقيق هذه الرغبة شائكاً، الأمر الذي اضطره لينعطف باحثاً عن مجالات أخرى دون أن يفقد العزيمة ودونما استسلام.

الفنان السوري اسماعيل الحموي في معرضه الفني في لايبزيغ.
الفنان السوري اسماعيل الحموي في معرضه الفني في لايبزيغ.

صعوبات في إيجاد عمل

يدرك اسماعيل جيداً أن العمل في تخصصه في الهندسة الميكانيكية لن يكون سهلاً، غير أنه لم يتوقع أن يواجه هذا الكم الهائل من التعقيدات في الحصول على منصب عمل بشكل عام. ففي البداية، كانت الصعوبة تكمن في اختلاف برامج الكمبيوتر المستخدمة في العمل وخصوصاً أنها باللغة الألمانية، فضلاً عن تعقيدات أخرى مختلفة كلياً، حيث تختار الشركات موظفيها وفقاً لاعتبارات معينة، ومسألة العمر تلعب دوراً مهماً في ذلك وقال الحموي الذي تجاوز عمره الخمسين عاماً: "تفضل الشركات الأعمار الأصغر سناَ بكل تأكيد، إضافة إلى تفضيلات جنسيات معينة على اللاجئ". وأوضح أيضاً في حديثه مع مهاجر نيوز أن الانضباط الشديد في النظام الألماني يولد بيروقراطية تجعل من التعامل مع الدوائر الحكومية أمراً صعباً للغاية ويتطلب وقتاً ومجهوداً كبيرين، خصوصاَ في ظل غياب التواصل بين هذه الدوائر مع بعضها البعض ما يضطر الشخص إلى متابعة كافة المسائل شخصياً مما يهدر المزيد من الوقت أيضاً.

 وذكر الحموي أن بعض الوظائف تتطلب وجود رخصة "قيادة"، غير أنه لم يتمكن من تعديل رخصته السورية لأسباب عدة منها الأسباب المادية إذ أن تكاليف الرخصة الألمانية باهظة جداً، الأمر الذي يعود به إلى نقطة الصفر مجدداً.

رغم كل هذه الصعوبات. لم يستسلم اللاجئ السوري، بل تمكن من الحصول على وظيفة بدوام جزئي لمدة أربع ساعات يومياً في "التافل"،وهي جمعية خيرية تقوم بتوزيع الطعام على المحتاجين وكبار السن، في مدينة لايبزيغ. ليس ذلك فحسب، بل يسعى إسماعيل جاهدا إلى إيجاد عمل في مجال تخصصه. إلى أن يتمكن من تحقيق مبتغاه، فكر إسماعيل بالعودة إلى هوايته المحببة في الرسم والنحت.

عمل فني "امرأة شرقية" من معرض اللاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ
عمل فني "امرأة شرقية" من معرض اللاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ


المنحوتة الأم..

في بيته الصغير في مدينة لايبزيغ، خصص غرفة خاصة لإنجاز أعماله الفنية، حيث رسم العديد من اللوحات التي تندرج ضمن " الفن التجريدي" مستخدماً ألوان الأكاريليك والألوان الزيتية، إضافة إلى منحوتات تعكس كل منها حكاية صغيرة.

ويسعى الحموي دائماً للاستفادة من وقته واستثماره ليعكس صورة إيجابية عن السوريين كأشخاص منتجين في المجتمع الألماني بحسب تعبيره. وقال الحموي إن النحت -وهو الفن الأصعب- يحتل حيزاً كبيراً في قلبه لقدرته على نقل مكنوناته من خلاله. إذ أن إحدى منحوتاته التي عرضت في معرضه الأول، تجسد امرأة شرقية، وتعكس واقعاً حزيناً بالنسبة إليه، حيث توفيت والدته بينما كان يعيش في ألمانيا ولم يتمكن من وداعها للمرة الأخيرة، فأراد من خلال هذه المنحوتة التعبير عن حبه لوالدته وشوقه لوطنه الأم سوريا. أما بالنسبة للمنحوتة الثانية التي يبلغ طولها حوالي 172 سنتمراً، فهي راقصة باليه تقوم بحركة جميلة. وتعكس هذه المنحوتة التي استغرقت منه الكثير من الوقت والجهد الطابع الغربي. 

وأوضح الحموي لمهاجر نيوز أن الأعمال الفنية غالباً ما تعكس التجربة الشخصية للفنان أو على الأقل جزءاً منه، لهذا السبب "قد تترك بعض اللوحات انطباعاً حزيناً أو كئيباً لدى الناظر، أو قد يكون لانسجام الألوان مع بعضها أو تضادها في أوقات أخرى سحرها الخاص الذي ينقل مشاعر معنية".

"راقصة الباليه" من معرض فني للفنان السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ
"راقصة الباليه" من معرض فني للفنان السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ


معرض فني في ظل كورونا

لم يتوقف الأمر بالنسبة للاجئ السوري عند ممارسة هواية قديمة، إنما أراد أن يشارك الآخرين هذه الإبداعات الأمر الذي يعتبره كواجب تجاه نفسه وأسرته والمجتمع الجديد الذي يعيش فيه، كما يرغب في التواصل الاجتماعي. فقام بتنظيم معرض بالتعاون مع بلدية لايبزيغ، حيث شارك فيه بـ15 عمل فني، وقال: "كان الإقبال والتفاعل مع المعرض ملفتاً حقاً خصوصاً أن هذا الإقبال جاء في ظل الجائحة" وكانت التعليقات إيجابية، حيث شاهدوا في أعمال المعرض روحاً مختلفة. وأكد الحموي: "ممارستي الفن لم تكن لأسباب شخصية، وإنما لإضافة لمسة شرقية في هذا المجال في ألمانيا، ولأن الفن يُحسن من المستوى الذهني والنفسي كما يساهم في تقوية الرصيد الاجتماعي لكل لاجئ".

معرض فني للاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ
معرض فني للاجئ السوري اسماعيل الحموي في لايبزيغ

وفي نهاية حواره مع مهاجر نيوز قال الحموي إنه يسعى للعيش بسلام ويتمنى أن يحصل على الاستقرار والمكانة الفنية التي يطمح للوصول إليها، كما أنه يسعى لتقوية علاقاته الاجتماعية في المجتمع الألماني أكثر وأكثر.