يرتدي أطفال خديجة أجمل ما لديهم من الملابس، ويخرجون لجمع قناني البلاستيك. تصوير: مرام سالم
يرتدي أطفال خديجة أجمل ما لديهم من الملابس، ويخرجون لجمع قناني البلاستيك. تصوير: مرام سالم

سورية أربعينية، تحتضن أطفالها الثمانية، وتحلم بتحقيق مستقبل مشرق لهم، بعيدا عن التشرد في أحياء أثينا اليونانية.

جمعتنا الصدفة، حينما مدت قدميها على العشب الأخضر في وسط ساحة أمونيا في مدينة أثينا اليونانية، كان من السهل أن تلتفت إليها بضحكتها اللطيفة وثقتها التي تعبق بالجو، تشد حجابها إلى رأسها، وتشير بيدها إلى الأطفال الذين يتراكضون حولها. 

أسألها: "أيهما طفلك؟"، فتجيبني أن لديها ثمانية أطفال من بينها حفيدتها وزوجة ابنها، أما هؤلاء فهم أبناء صديقات لها تعتني بهما لهذا اليوم.

لك أن ترى التعب على وجهها، فكما يبدو كان يوما طويلا عليها، ولكن بمرح وثقة تبدأ سرد تفاصيل حياتها، "أنا من حمص، كنت متزوجة فيما مضى، ولكن الحرب سرقت زوجي". 

خديجة، اسم مستعار، امرأة أربعينية قضت ثمانية أشهر من حياتها في بلدها الأم داخل سجون النظام السوري، تروي لي فيما تتغير ملامح وجهها الفرح إلى حزن وضيق، "كانت فترة صعبة، تعذيب ومضايقة وقهر وذل وضرب، لا أريد الحديث عن هذه الفترة، تذكرها فقط يبعث بي الحزن"، ومع ذلك تسترسل قائلة:"وجودي بالسجن لم يكن سهلا، كلما تذكرت تلك الفترة أختنق، كل ما يخطر على بالك موجود في السجن… حتى قلع الأظافر". 

اعتقلت مع زوجها عام 2014، وذلك بعد مذبحة كرم الزيتون في حمص حيث كانت تعيش، وفقدت فيها أصدقاء وأفراد من عائلتها، استطاعت خديجة أن تخرج من الاعتقال، ولكن زوجها لازال في عداد المفقودين، "لا نعرف عنه أي شيء حتى هذه اللحظة، لا نعرف إن قتل أم بقي في السجن، اختفى، وبقيت وحدي مسؤولة عن أطفالنا".

تعتني خديجة بحفيدتها أثناء توجه أبنائها لجمع القناني. تصوير: مرام سالم
تعتني خديجة بحفيدتها أثناء توجه أبنائها لجمع القناني. تصوير: مرام سالم


طريق اللجوء

قررت خديجة أن تهرب بأطفالها إلى خارج حمص، "دفع أهلي ما يقارب مليوني ليرة سورية، لتهريبي"، وذلك خوفا من أن يتم اعتقالها مرة أخرى، "هذا المبلغ كان ضخما على أهلي، ولكن قرروا أن يساعدوني". 

واستقرت في إدلب لمدة 3 أعوام، حيث تتكرر المآسي هناك يوميا، بين أمطار غزيرة أغرقت خيامهم في فصل الشتاء، وبين درجات حرارة لا تحتمل في الصيف، "كانت فترة صعبة، ومع تواجد الأطفال كان الأمر أكثر ثقلا، فقررت بعدها أن أختار مكاناً آخر، ربما يستطيع أبنائي العيش فيه بشكل مريح". 

ومن هنا انطلقت بطريقها إلى تركيا، "لم يكن مسار اللجوء متعبا، بمقدار محاولة الإبقاء على حياة عائلتي في تركيا"، عملت خديجة مع أطفالها هناك في زراعة البصل والليمون والبرتقال والثوم، كانت ساعات العمل طويلة جدا، ومتعبة جدا "كان السماسرة المسؤولون عن إيجاد العمال، يتواصلون معنا، ونعمل على جمع المحصول"، ومع ذلك فإن في كثير من الأحيان تعرضت للاحتيال، ولم تحصل على راتبها، "لطالما هرب السمسار مع مالنا، دون أن يعطينا حقنا، لقد كانت تركيا صعبة جدا".

وصلت خديجة مع عائلتها إلى جزر اليونان، حيث أمضت نحو 6 أشهر. المكان مخيم كاراتيبي الجديد على جزيرة ليسبوس. تصوير:مرام سالم.
وصلت خديجة مع عائلتها إلى جزر اليونان، حيث أمضت نحو 6 أشهر. المكان مخيم كاراتيبي الجديد على جزيرة ليسبوس. تصوير:مرام سالم.

ومع ذلك فهي ممتنة لما تعلمه ابنها البكر، وتضيف بكل فخر "استطاع ابني البكر أن يتحدث اللغة التركية بطلاقة خلال عام فقط". 

ومدفوعة بحلم تعليم أطفالها تقرر اللجوء إلى اليونان، "لم تكن الطريق سهلة، ولكن مررنا بذات الصعوبات التي مر بها كثير من اللاجئين، ووصلنا وأخيرا إلى جزيرة ساموس عام 2017". 

بقيت مع عائلتها هناك لمدة 6 أشهر، حتى نقلتها الحكومة اليونانية إلى منزل مع عائلتها في أثينا، ومن ثم اضطروا للانتظار نحو عام ونصف لإجراء مقابلتهم للبدء بإجراءات اللجوء، "لقد حصلنا على الإقامة منذ 3 أشهر فقط".

خطر التشرد

لم يكن الحصول على الإقامة هي النهاية السعيدة التي قد تحل جميع مشاكل خديجة وعائلتها، إذ بناء على القانون اليوناني، فإن كل من حصل على الإقامة سيتم قطع المعونات التي يتلقاها عنه، ويجبر للبحث عن عمل، وهذا يعني أن على خديجة، وهي المعيل الأساسي لعائلتها العمل، وإيجاد مكان إقامة جديدة. 

تخاف خديجة أن ينتهي بها وبعائلتها المطاف إلى الشوارع إن لم تتمكن من دفع أجرة شقتها. تصوير: مرام سالم
تخاف خديجة أن ينتهي بها وبعائلتها المطاف إلى الشوارع إن لم تتمكن من دفع أجرة شقتها. تصوير: مرام سالم


"لقد أعطوني إنذارا لإخلاء المنزل، ورفضت، أخبرتهم أن بإمكانهم استدعاء الشرطة...كيف سأخرج من هناك؟ هل سأنام في الشارع مع أطفالي؟"، هذا الخيار ليس مستبعدا، إذ انتشرت عائلات لاجئين عدة في مختلف أزقة وساحات المدينة، بعد أن لم يتمكنوا من إعالة أنفسهم، أو تم رفض طلب لجوئهم. 

"سوف أنقذ أطفالي"

يرتدون ملابسهم النظيفة والمهندمة، يبدو عليهم السعادة والراحة، هكذا قد تصف أطفال خديجة كلما رأيتهم يعبرون الشارع، ليلحقوا الحافلة التي تقلهم إلى أطراف مدينة أثينا، فرغم الخوف والإحباط الذي تعرضت له خديجة، والقلق الذي يبثه بها المستقبل، إلا أنها قررت أن تأخذ بيدها زمام الأمور، " لقد قررنا جمع قناني البلاستيك وبيعها".

يلبس أطفالها أجمل ما لديهم، "إنهم يخجلون من حقيقة اضطرارهم لجمع القناني، ولهذا يرتدون ملابس جميلة ومرتبة، حتى لا يعرف الجيران بذلك"، ويفضلون جمعها في أماكن خارج المدينة حتى لا يتعرف عليهم أحد. 

تجمع خديجة مع أطفالها ما يقارب 25 يورو يوميا من ثمن القناني، وهو ما يكفي لإطعامهم، وتوفير الحاجيات الأساسية، والتوفير لتعليمهم.

المستقبل في التعليم 

اضطر أطفال خديجة للتوقف عن الذهاب للمدرسة، بسبب إجراءات فيروس كورونا، ولكنها تعتبر التعليم أمرا أساسياً، ويمتلئ وجهها بالحيوية ويضيئ محياها كلما تحدثت عن رغبتها في تعليم أطفالها، "أريد فقط أن أوفر لهم بيئة تعليم جيدة، أطفالي أذكياء ومميزون". 

وتضحك بكل طاقتها، وهي تخبرني أن لديها خطة مميزة وفريدة، "سوف أحاول نقل أطفالي إلى دولة أوروبية فيها مستقبل أعظم من هنا"، ولكنها ترفض البوح باسم الدولة التي تخطط للذهاب إليها، "سوف أحاول الوصول إلى بلد ليس فيه الكثير من اللاجئين أو المخيمات، حتى لا يبقى أطفالي دون تعليم، ويقضون سنواتهم في خيم". 

وتنهي حديثها بعد تنهيدة طويلة، "كل ما يهمني أن أوصلهم هناك، ولو مت بعدها فلا يهمني".