نقل مجموعة من المهاجرين ممن تم اعتراضهم في المتوسط إلى أحد مراكز الاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة
نقل مجموعة من المهاجرين ممن تم اعتراضهم في المتوسط إلى أحد مراكز الاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة

"أنا أحمد من السودان. عشت حياة اللجوء في بلادي قبل أن أهاجر بسبب الحروب والمعارك. قررت لاحقا الرحيل وتجربة حظي مع الهجرة. وصلت إلى ليبيا وتحديدا إلى مدينة سبها في 2016، وكانت تراودني كل أحلام السلام والحياة الآمنة".

الأحداث لم تسر وفقا لما خططت له. في طريقي إلى صبراتة، باعني المهرب لمجموعة مسلحة. أخذوني إلى مدينة بني وليد، خلال بقائي لديهم، تعرضت للتعذيب الدائم، طلبوا من أهلي فدية، لكن أهلي لا يملكون المال الكافي. فقدت الأمل وخيّل لي أنني أعيش آخر أيامي. لكن مشيئة القدر كانت معاكسة، فبعد مرور شهر على احتجازي لدى تلك المجموعة، تمكنت من الهرب.

وصلت إلى طرابلس، عملت في مزرعة لأربعة أشهر. راسلت أهلي حينها وقلت لهم إنني في طريقي إلى بر الأمان. كان ذلك في منتصف 2017.

تعرفت على مهرب في صبراتة يعرف باسم "عمو". خرجنا إلى البحر في قارب مطاطي، لكن خفر السواحل الليبي كان لنا بالمرصاد، اعترضوا طريقنا وأرجعونا إلى الجحيم. أودعونا حينها سجن تاجوراء. تمكنت من الهرب بعد خمسة أيام.

عملت في عدد من المهن حينها، وتنقلت بين عدد من المدن الليبية حوالي سنة، إلى أن تدبرت مكانا على متن قارب أواسط 2018. وهذه المرة أيضا اعترضنا خفر السواحل الليبي وأعادنا إلى ميناء الخُمس. حينها زارتنا إحدى المنظمات الإنسانية وأخرجتنا من السجن.

مجموعة من المهاجرين قبيل ترحيلهم إلى مركز للاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة
مجموعة من المهاجرين قبيل ترحيلهم إلى مركز للاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة

عدت للعمل من جديد وهدفي واضح، أن أجمع مبلغا كافيا لأتمكن من مغادرة هذا البلد. بعد نحو عام كانت محاولتي الثالثة. خرجنا هذه المرة من ميناء قرابوللي، بعد ثلاثة أيام من الإبحار، وصلنا المياه المالطية. تعطل محرك الزورق، اتصلنا بمنظمة "هاتف الإنقاذ" وخفر السواحل الإيطالي، لكن لم يأت أحد. بعد بضعة ساعات وصلت دورية ليبية، ولكن كان قد غرق منا ثمانية أشخاص.

أودعونا حينها سجن الجبس في طرابلس، وخرجنا منه بعد أن دفع كل منا مبلغ 1500 دينار ليبي. أنا لم أملك المبلغ، أصدقائي دفعوا من أجل أن أخرج. بعد تلك التجربة قطعت عهدا على نفسي بأن لا أعيد الكرّة وأهاجر عبر البحر.

عدت للعمل، لم أفكر بالهجرة من جديد، لكن أصدقاء لي اتصلوا بي وأقنعوني بالهجرة، قالوا لي "يجب أن نحاول، يجب أن لا نستسلم".

قرأت حينها مقالا في مهاجر نيوز عن قارب مطاطي يحمل 91 شخصا فقد أثره في المتوسط، أحسست وكأني فقدت جزءا من قلبي

في الرابع من شباط/فبراير كانت المحاولة الرابعة. ذهبنا إلى قرابوللي مرة أخرى، قال لنا المهرب إنه مازال هناك سبعة أماكن على متن القارب، نحن كنا تسعة أشخاص. اتفقنا على أن نبقى أنا وصديقي بانتظار الرحلة القادمة، وأن يقوم الباقون بركوب ذلك القارب.

كان القارب يحمل 90 شخصا، مضت أربعة أيام ولم يصلنا منهم أي خبر. سيطر القلق علينا وخشينا الأسوأ. سألت المهرب فقال لي إنه قد تم إنقاذهم وهم الآن في مالطا. قرأت حينها مقالا في مهاجر نيوز عن قارب مطاطي يحمل 91 شخصا فقد أثره في المتوسط، أحسست وكأني فقدت جزءا من قلبي، لم اصدق هذا الخبر، جميع من كانوا حولي كانوا يؤكدون ذلك، لكني لم أصدق. كنت أقول في نفسي أن أصدقائي وعدوني بملاقاتي على الضفة الأخرى، من المستحيل أن يكونوا قد قضوا.

بعد 20 يوما، حان وقت رحلتنا، كنا 67 شخصا. بعد مرور ساعتين على انطلاقنا، بدأت المياه بالتسرب إلى القارب. امتلأ القارب بالماء. رصدنا صيادون في المنطقة، فحضروا وربطوا قاربنا وسحبونا إلى الشاطئ. غرق منا حينها ستة أشخاص.

نقل المهاجرين إلى مركز الاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة
نقل المهاجرين إلى مركز الاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة

المحاولة الأخرى كانت خلال رمضان الماضي. كنا 107 أشخاص على متن القارب، وكنا قد أمضينا ثلاثة أيام في البحر قبل أن يعترضنا خفر السواحل الليبي. حينها أنقذ ذلك القارب زورقا آخر، وصل عددنا إلى 280 مهاجرا. السلطات الليبية حينها رفضت استقبالنا، وبقينا على متن القارب ست ساعات، قبل أن يتم السماح لنا بالنزول أخيرا.

تبا، كان يوما صعبا للغاية

نقلونا حينها إلى منطقة عسكرية بالقرب من طرابلس، بعد ثلاثة أيام حاولنا الهرب. أطلق المسلحون علينا النار وأصابوا شخصين، وهرب الباقون. تبّا كان يوما صعبا للغاية.

وقبل حلول عيد الفطر بأيام قليلة، كانت محاولتي الأخيرة. بعد أن مر يومان على إبحارنا، اعترضتنا دورية لخفر السواحل الليبي، أرجعونا إلى ميناء الخُمس. حاولنا حينها الهرب، أطلقوا علينا النار، وكان هناك فرق لمنظمة الهجرة الدولية حاضرة. أصابوا حينها ستة أشخاص بالرصاص، مات اثنان منهم فورا ونقل الباقون إلى المستشفى، حيث مات ثلاثة آخرون.

وبعد مرور ثلاثة أيام، هربت من السجن.


مجموعة من المهاجرين قبيل ترحيلهم إلى مركز للاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة
مجموعة من المهاجرين قبيل ترحيلهم إلى مركز للاحتجاز. الصورة أرسلها لنا صاحب الشهادة