تقود الأم عائلتها إلى ألمانيا، بكثير من الشجاعة والروح المفعمة بالحياة. تصوير: مرام سالم
تقود الأم عائلتها إلى ألمانيا، بكثير من الشجاعة والروح المفعمة بالحياة. تصوير: مرام سالم

عائلة سورية تعيش ظروفاً صعبة في مخيم موريا الجديد على الجزيرة اليونانية متيليني، فكيف تمر حياتهم اليومية؟

زوج مريض، وابنة مراهقة تمر باكتئاب حاد، وابن تائه لا يعرف مستقبله، وخيمة صغيرة جدا لا تتسع لأربعتهم جالسين، هكذا تحاول “خ.س” أن تلخص حياتها أثناء تحريكها للطعام السوري فوق غاز كهربائي بسيط. 

الأم السورية القادمة من إدلب، نشيطة وحيوية، وقائدة، هذا ما تراه كلما راقبتها عن كثب، وهي تدير دفة القيادة لعائلتها وسط مخيم موريا الجديد، بالقرب من كارا تيبي في جزيرة متيليني اليونانية.

 تفوح في الخيمة الصغيرة رائحة التوابل العربية اللذيذة، وتبتسم “خ.س” باتجاهي قائلة: :”لن تنشري صورتي؟ أليس كذلك؟”، فأجيبها أني سأخفي وجهها بالطبع، وتزداد ابتسامتها اتساعاً، “ما رأيك أن تنضمي لنا لتناول وجبة الغداء؟”، في مبادرة تعيد إحياء روح الكرم العربية التي لم تنضب لديها رغم الظروف، ولم تنضب أيضاً لدى باقي اللاجئين، ممن عرضوا علينا شرب الشاي أو القهوة، ولكني اعتذرت منها لضيق الوقت، واقتراب موعد مغادرتنا. 

تجلسني إلى جانبها وهي تشير إلى زوجها، “إنه بالثمانين من عمره، أصيب بجلطتين في سوريا، ولم يعالج حقاً بشكل جيد حتى هذه اللحظة”.

 غادرت الأم والزوجة مدينتها التي عاشت فيها لنحو 22 عاماً مع عائلتها إلى تركيا عام 2018، “لم نستطع المغادرة قبل هذا، حماتي كانت مريضة، وفضلنا البقاء معها، وحينما لاقت منيتها، قررنا الرحيل”. 


“اتركوني أموت هنا”

مدينة إدلب التي كانت معقل للثورة السورية عام 2011، وواجهت التهجير والنزوح والقصف طوال العقد الماضي، لم تكن البيت السوري الوحيد لهذه العائلة، إذ أن دير الزور أصبحت لاحقاً ملجأ لهم، حتى غادروها.

“أما تركيا فلم تكن سهلة علينا، ككل اللاجئين الآخرين، مصدر الرزق محدود، وليس هناك سبل معيشة كريمة”، تروي الأم حكايتها، ومن ثم تصمت قليلاً وتستأنف، “ولكن المعيشة هنا صعبة جدا أيضاً، هذه ليست أوروبا التي نظنها”. 

أعادتني خ.س في جملتها هذه إلى وسط جزيرة ميلتيني، والذي يبعد نحو نصف ساعة في السيارة عن المخيم الذي تقطن به وعائلتها، ويمكنك من خلاله أن ترسم معالم الاختلاف بين العالمين بشكل واضح، ففي حين يبدو المطر الخفيف جميلا وشاعريا في وسط الجزيرة، إلا أنه فيضاناً عارماً على اللاجئين، أما البحر الذي يرسم على ضفافه ميناء جميلا تحيطه مطاعم ريفية صغيرة، فإنه عنوان للموت والضياع بالقرب من المخيم، كلما همت موجة به إلى معانقة الشاطئ فإنها تصيب أطراف خيم اللاجئين. 

وبينما يستمتع مراهقو الجزيرة المتحمسين بحفلة نار صغيرة في حديقة منزل ما، فإن ابنتها ذات السبعة عشر ربيعاً واجهت احتراق مخيم موريا القديم دون أمل، “أردنا الخروج من المخيم بسرعة قبل أن يصلنا الحريق، فرفضت وقالت.. اتركوني هنا.. ما الفائدة من العيش هكذا، الموت هنا أفضل”.

التخلي عن الحياة لم يكن فقط مقتصرا على ابنة خ.س، إذ أن تقارير طبية لمنظمات تعنى بشؤون الطفل، أكدت أن الحالة النفسية لأطفال اللاجئين في اليونان متدهورة وصعبة، وعمد بعضهم إلى الانتحار، “ابنتي مصابة بالاكتئاب، بسبب الظروف السيئة التي مررنا بها في سورية، وفي تركيا والآن في اليونان”، فرغم الوعود التي قدمت لأصغر أفراد العائلة عن مستقبل أفضل، إلا أنها لازالت مع عائلتها في خيمة صغيرة منذ 11 شهرا. 


في وسط الخلاف التركي اليوناني ... ألمانيا هي المستقبل

حصلت العائلة على رفض إقامة، مما جعل إمكانية انتقالهم إلى منزل، أو إلى خارج الجزيرة مستحيلا، “لقد أخبرونا أنه لا يحق لنا الحصول على إقامة لأن على تركيا تحمل مسؤوليتنا، وليس الحكومة اليونانية”. 

أكثر ما يخيف خ.س هو المستقبل المجهول، وتصف اليونان كالسجن فيما تعدل حجابها داخل الخيمة التي تشارك إحدى جهاتها مع الجيران، “هذه الجزيرة هي أصعب ما عاشته عائلتي، في السجن تعرف تاريخ مغادرتك القضبان، أما هنا فأنت لا تعرف أين هو مصيرك”.، وتفتقد إلى الخصوصية، وإلى الراحة،”، وانتشار السرقات والخوف والرشاوي، على حد تعبيرها.

 ضيق المكان الذي لا يتسع لهم، وضيق الحال، لا يترك أثراً صعباً فقط على خ.س وابنتها الصغرى، بل إن ابنها العشريني أيضاً يرى أحلامه المستقبلية بعيدة المنال، ككل الذكور الشباب في المخيم، “حينما كنا في تركيا كان هو المعيل الوحيد، ورغم صعوبة هذا عليه فيما سبق، فإنه حاليا لا يوجد مستقبل أمامه في هذا المكان.

تعيد علي الأم جملة سمعتها مرارا وتكرارا من اللاجئين، “أريد المغادرة إلى أوروبا”، كما لو أن اليونان ليس جزءا من الاتحاد الأوروبي، إذ يعتبرها الكثير منهم منطقة عبور فقط، “لا أصدق أحيانا أننا حاولنا ثماني مرات الهروب من تركيا إلى اليونان، لقد كان الأمر متعبا جدا، واليونان ليست محطتنا الأخيرة، نريد الوصول إلى ألمانيا”.

وتشرح لي أن ألمانيا هي موطن لأفراد كثر من عائلتها، يعيشون براحة كبيرة، ويمكنهم التعلم والعمل والانخراط في المجتمع، على عكس ما يواجهونه في مكان مهجرهم الحالي، “المستقبل غير واضح، مخيف، ولكني كلي أمل أن ينتهي هذا بنا إلى ألمانيا، أن نبدأ من جديد بعيدا عن كل ما ممرنا به خلال السنوات العشر الأخيرة”.