صابر ومهدي بالقرب من جمعية "ريفوج سوليدير Refuges "Solidaires.
صابر ومهدي بالقرب من جمعية "ريفوج سوليدير Refuges "Solidaires.

منذ خمسة أشهر خرج صابر من مدينته قفصة، جنوب غرب تونس، باتجاه فرنسا. التقى في طريق الهجرة، مهدي وهو شاب عشريني من تونس أيضا. قرر الشابان إكمال الرحلة سويا. قطعا خلالها أميالا عديدة وخاضوا مغامرات خطرة حتى وصلوا إلى مدينة ”بريانسون Briançon“ الفرنسية في جبال الألب.

يجلس صابر (22 عاما) على مقعد خشبي داخل غرفة متوسطة الحجم، غصت بمهاجرين من جنسيات عدة، إفريقية وأفغانية وإيرانية، هي غرفة الجلوس المخصصة للمهاجرين ضمن بناء تابع لجمعية ”ريفوج سوليدير Refuges Solidaires“ في مدينة برينسونBriançon الفرنسية الجبلية. 

يطيل الشاب الأشقر النظر إلى الحائط المقابل الممتلئ برسائل ورسوم صنعها مهاجرون مروا بهذا المكان، لا يتفاعل سوى مع صديقه مهدي (22 عاما) التونسي أيضا. 

لماذا غادرتما تونس؟ سؤال ابتسم الشابان لسماعه وكأن الإجابة بديهية ”ليس لدينا مكان في تونس، لا شيء لفعله هناك“. يضحك مهدي ملئ فمه وعينيه السوداوين ”ليس لدينا مستقبل هناك، هي مقبرة“. 

جمعية "ملجأ التضامن" في بريانسون، حيث يقيم المهاجرون الواصلون من إيطاليا. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف
جمعية "ملجأ التضامن" في بريانسون، حيث يقيم المهاجرون الواصلون من إيطاليا. المصدر:مهاجر نيوز/كندة يوسف


تعرف مهدي وصابر على بعضهما، في إسطنبول التركية. يقول صابر ولا يزال مركزا نظره على الحائط ”خرجت من تونس باتجاه تركيا، أمضيت هناك 15 يوما، تعرفت أثناءها إلى مهدي“، يميل برأسه وكأنه يتيح لمهدي إكمال القصة فيتابع مهدي ”قررنا إكمال رحلتنا سويا منذ أن التقينا، فنحن لم نأت مع أحد، كلانا وحيد يريد الوصول إلى مرسيليا الفرنسية، كثيرا ما تغيرت المجموعات التي تعرفنا إليها في طريقنا ولكننا أصبحنا صديقين متلازمين“. 

”لم يكن لدينا خيار آخر"

تشارك الشابان مخاطر الرحلة التي وثقاها سويا، وبدآ بتصويرها منذ خروجهما من تركيا باتجاه صربيا. "لم نقض الرحلة مشيا فقط، تخفينا تحت شاحنات النقل للوصول أحيانا"، يقول مهدي وهو يشاهد فيديو صوراه أثناء تواجدهما تحت شاحنة غير مكترثين لخطورة الموضوع.

للمزيد>>> جولات ليلية للبحث عن مهاجرين تائهين في جبال مونجينيف الفرنسية

يضيف صابر ”لم يكن لدينا خيار آخر، اتخذنا هذا الأسلوب أكثر من مرة“، ثم يعود مهدي إلى القول "لسنا أول من يتبع هذه الطريقة، لم تكن لدينا نقود كي ندفعها لأحد، وطريق المشي وحده لا يوصل، لاسيما من دون نقود ولا مهرب، وأصحاب الشاحنات لم يعلموا بوجودنا أسفلها“.

اعتمد الشابان على الشاحنات للوصول إلى النمسا ومن ثم عبرا باتجاه إيطاليا.

”مشينا نحو 56 كيلومترا للوصول إلى رومانيا، ومن ثم قطعنا 31 إلى هنغاريا، على الرغم من اتخاذنا الشاحنات، كانت رحلة صعبة جدا وتمت إعادتنا أكثر من مرة“.

"أعرف ما الطريق الأفضل لسلكه مذ كنت في تونس"

قرر الشابان بعد وصولهما إلى إيطاليا، عبور جبال الألب وصولا إلى وجهتهما ما قبل الأخيرة. يوضح صابر بعفوية موجها بصره نحو مهدي الذي يوافقه ”ليست لدينا خيارات كثيرة، أنا أعرف ما الطريق الأفضل لسلكه مذ كنت في تونس، لاسيما استخدام الشاحنات. أخي القاصر وصل إلى إيطاليا في هذه الطريقة بصحبة ثلاثة شبان، وبقي هناك، اتخذت أنا هذه الطريق مع مهدي من أجل الوصول إلى مرسيليا في فرنسا، وجهتنا النهائية“. 

للمزيد>>> جولات ليلية للبحث عن مهاجرين تائهين في جبال مونجينيف الفرنسية

يضيف مهدي على قول صديقه ”بالنسبة إلى معارفي وأصدقائي، كان لا بد من عبور جبال الألب، وهو خيار بديهي عرفته من خلالهم“. أوضح أصدقاء مهدي كيفية عبور الجبل، واسم الجمعية التي تساعد المهاجرين في أولكس الإيطالية والجمعية التي تساعدهم بعد عبور الحدود في بريانسون الفرنسية.

”اتخذنا الطريق من بولزانو Bolzano إلى فيتشينزا vicenza فتورينو turin ومن ثم أولكس oulx حيث مقر الجمعية التي أخبرونا عنها، أخذنا الملابس المناسبة للعبور من هناك، وسرنا وحيدين نحو 8 ساعات في الجبل“. 

"قلنا لأنفسنا لن نخاطر أكثر"

على الرغم من معرفة الطريق نظريا، إلا أن العبور لم يكن سهلا، يقول الشابان إنهما شعرا بالبرد الشديد، لا سيما وأن ارتفاع مستوى الثلوج غطى أجزائهم السفلية على نحو كامل، لذا، يكمل صابر ” قلنا لأنفسنا لن نخاطر أكثر، كان الظلام حالكا، والبرد شديدا، هبطنا من أعلى الجبل باتجاه إحدى القرى، ومشينا على محاذاة الطريق الجبلي أو السريع لا أذكر، كنا نتخفى عند رؤية شرطة مثلا، حتى وصلنا إلى مقر الجمعية في بريانسون عند الخامسة صباحا“.

يتنفس صابر ومهدي الصعداء وينظر كل منهما إلى الآخر، يقول مهدي ”لحسن الحظ لم ترنا الشرطة، فهم يعيدون من يرونه إلى إيطاليا. سمعنا قصصا عن هذا الأمر“.

وصل الشابان إلى بناء جمعية "ريفوج سوليدير" يوم الثلاثاء 3 شباط/فبراير، قالا إنهما سيبقيان ليوم أو اثنين هناك ومن ثم يذهبان عبر محطة قطار بريانسون إلى مرسيليا، يختم مهدي ”رافقنا الموت في كل خطوة من هذه الرحلة، ويضيف صابر ”رحلة انتهت صباح اليوم“. 


أسماء المهاجرين مستعارة وفق طلبهم.