أجبر النزاع الدامي نصف عدد سكان سوريا البالغ قرابة 22 مليون إلى مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.
أجبر النزاع الدامي نصف عدد سكان سوريا البالغ قرابة 22 مليون إلى مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.

كان لانطلاق الثورات في بلدان الشرق الأوسط إضافة للنزاعات التي تلتها أثر سلبي تمثل في زيادة خطورة التغطية الإعلامية على الصحفيين المتواجدين في هذه البلدان، وزيادة كبيرة في أعداد الصحفيين الذين قتلوا أو تعرضوا للخطف والاعتقال أو التهديد أثناء أداء عملهم. صحفيون يروون قصصهم

حسب تقارير المنظمات الحقوقية المختلفة الصادرة في هذا الشأن، كانت سوريا البلد الأشد فتكاً بالصحفيين بمنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى كل من اليمن والعراق. هذا الأخير الذي جاء في المركز 162 حسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2020، بسبب انتكاس الحريات، لاسيما بعد "ثورة تشرين" عام 2019، إذ سجّل حينها 373 حالة اعتداء طالت صحفيين، شملت جرائم اغتيال وتهديد بالقتل، فضلاً عن الاختطاف، والهجمات المسلحة على بعض المؤسسات الإعلامية، لاسيما في جنوب البلاد، بحسب تقرير لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة.

تهديد بالقتل علناً

زيد الفتلاوي، واحد من الصحفيين العراقيين الذين اضطروا للهرب من البلاد خوفاً على سلامتهم، بعد تهديده بالقتل. اشتغل زيد لسنوات مراسلاً لقناة دجلة الفضائية من مدينة الديوانية، اضطر منذ وقت قصير إلى الفرار من العراق نحو مكان مجهول، لا يمكنه الإفصاح عنه لضمان سلامته وسلامة زملائه المرافقين له.

بدأت القصة بانطلاق تغطية احتجاجات تشرين في مختلف المحافظات العراقية، "تعرضت للضرب والتهديد من قبل القوات الأمنية والمليشيات"، يحكي زيد لمهاجر نيوز، ويؤكد أنه تم تهديد سلامته أولا من قبل المحسوبين على المليشيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتحريض ضده والمطالبة بقتله، وهو ما حصل سابقاً مع زميل له بالقناة في محافظة البصرة، تم اغتياله بعدها، ما دفع زيد وزملاؤه إلى مغادرة العراق بعد أشهر من الحادثة.

الصحفي العراقي زيد الفتلاوي، خلال تغطيته للمظاهرات في مدينة الديوانية، اضطر للهرب من العراق إلى مكان لا يمكن الإفصاح عليه هو وزملاؤه بعد الهجوم على منازلهم وتهديدهم علنا من قبل الميلشيات بالقتل (الصورة خاصة - مهاجر نيوز)
الصحفي العراقي زيد الفتلاوي، خلال تغطيته للمظاهرات في مدينة الديوانية، اضطر للهرب من العراق إلى مكان لا يمكن الإفصاح عليه هو وزملاؤه بعد الهجوم على منازلهم وتهديدهم علنا من قبل الميلشيات بالقتل (الصورة خاصة - مهاجر نيوز)

ويتحجج الداعين لقتل زيد وزملاؤه ببث حفل غنائي على قناة "دجلة طرب"، التي تنتمي إلى مؤسسة دجلة للإعلام ومن ضمنها "دجلة الفضائية" التي عمل زيد مراسلا لها لسنوات، ولا علاقة له ببرمجة القناة الطربية كما يوضح.

أحرق المنتمون إلى المليشيات مقر القناة كاملاً في بغداد، وبدأت ملاحقة زيد وزملائه المراسلين بكل المحافظات العراقية، وتمت المطالبة بتصفيتهم. يقول المتحدث "بدأت ملاحقتي في مكان عملي ومنزلي من قبل جهات مسلحة، تلاها بيان رسمي من قبل الحكومة المحلية بمنع عملي في المحافظة ومطالبة القوات الأمنية بعدم التعاون معي"، مما لم يترك أمامه حلاً آخر غير مغادرة العراق.

يختبئ زيد اليوم من خطر الموت في مكان مجهول، مؤكدا أن "الجميع تخلى عني أنا وزملائي، الشرطة ونقابة الصحفيين والقنوات الإعلامية بل حتى المنظمات الحقوقية المحلية، كلهم اختاروا صد الأبواب في وجوهنا ولم يحركوا ساكناً لضمان أمننا، فاضطررنا إلى الفرار من جحيم التهديد إلى مكان نأمل الخروج منه أحياء".

توثيق ظلم النظام.. جريمة!

ومن سوريا، هرب ضرار خطاب كغيره من الصحفيين الذين تمكنوا من النجاة بحياتهم. عمل ضرار بعد انطلاق الثورة السورية على توثيق ونقل الأحداث على موقع إخباري ناشئ بحلب، ركز عمله على رصد اعتقالات الناشطين المدنيين وإطلاق الأمن السوري النار على المتظاهرين السلميين، ما تسبب في اعتقال رئيس تحرير الموقع بعد أقل من شهرين على انطلاق التغطية.

"الاعتقال كان بمثابة إنذار لي ولزملائي في الموقع، توقفت عن العمل وتفرغت لدراستي الجامعية إلى حين تخرجي في نهاية عام 2011، لكني استمريت في استخدام صفحتي الشخصية على فيسبوك للتدوين ضد نظام الأسد، وكان ذلك سبباً في استدعائي إلى فرع أمن الدولة للتحقيق، أمضيت هناك يوماً واحداً فقط وتم إطلاق سراحي بعد تعهدي بعدم مواصلة التدوين".

الصحفي ضرار خطاب، خلال مشاركته بمظاهرة أمام محطة القطارات الرئيسية في مدينة دورتموند،  للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السوريين وبرحيل نظام اللأسد يوم 15 آذار/مارس 2020 (صورة خاصة - مهاجر نيوز)
الصحفي ضرار خطاب، خلال مشاركته بمظاهرة أمام محطة القطارات الرئيسية في مدينة دورتموند، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السوريين وبرحيل نظام اللأسد يوم 15 آذار/مارس 2020 (صورة خاصة - مهاجر نيوز)

خلال كانون الأول/ديسمبر 2011، اعتقل ضرار على يد قوات الأمن السوري من ساحة جامعة حلب، وكان السبب "أني أنحدر من مدينة خان شيخون التي كانت تشهد مظاهرات حاشدة ضد نظام الأسد في ذلك الوقت" حسب قوله.

أمضى خطاب 22 يوماً في سجن حلب المركزي، وتعرض للضرب المبرح والشتائم الطائفية، حسب قوله. وبعد خروجه من المعتقل، بدأ العمل كمحرر في موقع "عكس السير"، الذي كان ينقل أخبار الحراك الثوري في حلب، وخلال تلك الفترة تم اقتحام المنزل الذي كان يقطنه رفقة زملائه من طرف قوات الأمن السوري وصودف أنه لم يكن حينها هناك، ليهرب بعدها إلى مسقط رأسه خان شيخون.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، غادر الصحفي السوري إلى مدينة إدلب، ومنها عبر الحدود السورية باتجاه تركيا، وظل هناك إلى حين قرر اللجوء إلى ألمانيا رفقة زوجته.

"وثقت رحلت لجوئي وصنعت منها فيلما وثائقيا (البحث عن ملجأ)، وعُرض فيلمي في أكثر من فعالية ثقافية بألمانيا، ونال الإعجاب كما لحقه الانتقاد من الجمهور المهتم الألماني أو السوري المقيم في ألمانيا.

لا يشعر ضرار إلى اليوم بالأمان التام حتى في ألمانيا، إذ لم تتوقف ملاحقته من قبل مؤيدي نظام الأسد، ورفعت ضده دعوى قضائية بسبب "انتقادي لتسترهم على جرائم النظام، وكانوا قبل ذلك قد أرسلوا لي التهديدات بالإيذاء الجسدي، انتصر القضاء الألماني في النهاية لي رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها مع محاميهم في ألمانيا".

في اليمن.. كل الأطراف تستهدفنا!

في اليمن، لا يختلف الوضع كثيراً، فالحرب الأهلية جعلت كل الأطراف المتورطة في النزاع تستهدف الصحفيين، وحسب التقرير السنوي لنقابة الصحفيين باليمن سنة 2020، فإن "الحكومة ارتكبت بتشكيلاتها وهيئاتها المختلفة 50 حالة انتهاك بنسبة 44,6 بالمئة من إجمالي الحالات، فيما ارتكبت جماعة الحوثي 33 حالة بنسبة 29,5 بالمئة من الانتهاكات بحقوق الصحفيين"

كما "ارتكب مجهولون 13 حالة انتهاك بنسبة 11,6 بالمئة، والمجلس الانتقالي الجنوبي 12 حالة بنسبة 10,7 بالمئة، فيما ارتكبت وسيلة إعلامية خاصة 3 حالات بنسبة 2,7 بالمئة، وحالة واحدة ارتكبها فصيل في المقاومة (موالٍ للحكومة) بنسبة 0,9 بالمئة"، حسب التقرير.

يوسف عجلان، صحفي يمني تعرض للخطف والاعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي، وأطلق سراحه في عملية تبادل أسرى، ليغادر الوطن. (صورة خاصة - مهاجر نيوز)
يوسف عجلان، صحفي يمني تعرض للخطف والاعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي، وأطلق سراحه في عملية تبادل أسرى، ليغادر الوطن. (صورة خاصة - مهاجر نيوز)

يوسف عجلان، واحد من الصحفيين اليمنيين الذين تعرضوا للاعتقال والترهيب من قبل جماعة الحوثيين، قبل أن يطلق سراحه في عملية تبادل أسرى. يقول عجلان في حديث لمهاجر نيوز "كنت أعمل كنائب مدير تحرير موقع "المصدر أونلاين" اليمني، تعرضت للاختطاف من أمام منزلي من قبل الحوثيين عام 2016 في شهر أكتوبر/تشرين الثاني وبقيت رهن الاعتقال لمدة عام وشهرين قبل أن يتم الإفراج عني كأسير حرب مقابل تبادل أسرى مع القوات الحكومية"، يقول عجلان.

خلال فترة اختطافه، تعرض الصحفي اليمني للتعذيب الجسدي والنفسي، وقبل ذلك كان قد تعرض للاعتقال مرتين، الأولى في يناير/تشرين الثاني 2015 عقب دخول الحوثيين إلى صنعاء، والثانية في مارس/آذار 2015، ساعات بعد إعلان السعودية التدخل في اليمن، كلتاهما استمر الاعتقال لساعات فقط، وتم تهديده بالتوقف عن الكتابة ضد الحوثي وجماعته.

الصحفي اليمني يوسف عجلان، في صورة التقطها له المعتقلون معه خلسة وهو في سجون الحوثيين.
الصحفي اليمني يوسف عجلان، في صورة التقطها له المعتقلون معه خلسة وهو في سجون الحوثيين.

غادر عجلان اليمن في فبراير/شباط 2018 متوجها إلى السعودية ثم غادر بعدها إلى سويسرا للمشاركة في مؤتمر لمجلس حقوق الإنسان للإدلاء بشهادته حول ما تعرض له في سجون الحوثيين، "قبل أن أغادر بعد أسبوعين عائداً إلى الوطن، خلال عودتي دخلت إلى تركيا بالصدفة بعد تأخر رحلتي، وهنا بقيت بعد حصولي على عمل في قناة يمن شباب وعلى ضوء ذلك استقريت هنا".

يؤكد عجلان أنه لا يستطيع العودة إلى اليمن خشية اعتقاله من طرف الحوثيين، كما أنه غير مستقر تماماً في تركيا بسبب عدم السماح له بتجديد إقامته السياحية، وهو ما يجعل وضعيته إلى جانب أسرته الصغيرة غير مستقرة أبداً.

أسعفته الكاميرا في نقل الواقع

ومن سوريا، اضطر سليمان تدمري، مخرج سوري شاب، على الفرار حفاظا على سلامته وحياته. عمل منذ بداية الأزمة السورية على توثيق تجاوزات النظام بالصور والفيديوهات، وشاركها على مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال الصورة الحقيقية حول الوضع في بلده إلى العالم.

نشاطه الإعلامي وتوثيقه للتفاصيل المزعجة للنظام والسلطة، جعل المخرج الشاب الذي تعلم هذه المهارة في لبنان عن طريق دراستها أكاديمياً محط مراقبة، وتعرض للتهديد في الكثير من الأحيان.

سليمان تدمري، مخرج سوري شاب، عمل منذ بداية الأزمة السورية على توثيق تجاوزات النظام بالصور والفيديوهات، وشاركها على مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال الصورة الحقيقية حول الوضع في بلده إلى العالم. (صورة خاصة - مهاجر نيوز)
سليمان تدمري، مخرج سوري شاب، عمل منذ بداية الأزمة السورية على توثيق تجاوزات النظام بالصور والفيديوهات، وشاركها على مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال الصورة الحقيقية حول الوضع في بلده إلى العالم. (صورة خاصة - مهاجر نيوز)

كل ما التقطه سليمان من لقطات تدمير لبلده سوريا، احتفظ به بعناية وألم في الوقت نفسه، ليستطيع بعد خروجه من سوريا، وبعد رحلة لجوء قاسية وصل بعدها إلى ألمانيا وطلب اللجوء فيها، العمل على إخراج فيلم " حمص وأنا"، الذي يحكي أطوار ما عاشه سكان 14 حياً في مدينة حمص السورية، كان يقطن هذه الأحياء 5000 شخصاً من السكان، جعلهم الحصار يعيشون ظروفاً قاسية بدون أكل أو مساعدات وتحت القصف.

اليوم وهو صحفي بإحدى القنوات الألمانية (NDR)، يستمر في الترويج لفيلمه، وهدفه إيضاح الصورة لمن ما يزال بإمكانهم التساؤل عن سبب هروب ملايين السوريين من بلدهم، موثقا ذلك بفيلمه وباللقطات المؤلمة التي التقطها.

ماجدة بوعزة