يتم تهريب المهاجرين من ليبيا إلى أوروبا انطلاقاً من مدينة زوارة
يتم تهريب المهاجرين من ليبيا إلى أوروبا انطلاقاً من مدينة زوارة

محمود* مهاجر سوري (27 عاما) خرج من سوريا في حزيران/يونيو الماضي متوجهاً إلى ليبيا، على أمل الوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. لكنه تعرض إلى السجن، وخسر نقوده، وقرر مضطراً العودة إلى سوريا. الشاب تواصل مع مهاجر نيوز، وهذه قصته.

كنت أعمل مزارعاً وتقني كهرباء في سوريا قبل أن أستلم قراراً بتأجيل خدمتي العسكرية الإجبارية لمدة عام، بالإضافة إلى تصريح سفر لمدة أربعة أشهر. أغلب من أعرفهم ممن استلموا قرارات مشابهة، وهم كثر، خرجوا من سوريا. أعتقد أن هذا السبب الرئيسي وراء إصدار هذه القرارات، تفريغ القرى من الشباب.

في البداية، خرج 60 شاباً من قريتي إلى بيلاروسيا، ومن ثم نصحني أصدقائي بالقدوم إلى ليبيا لأعبر المتوسط وصولاً إلى أوروبا.

للمزيد >>>> في العاصمة الليبية.. مقتل طالب لجوء سوداني يزيد من قلق وتوتر المهاجرين في البلاد

"أكثر من 115 شخصاً كانوا مكدسين في غرفتين صغيرتين"

وصلتُ إلى بنغازي في حزيران/يونيو الماضي، بعد رحلة كلفتني 1300 يورو تقريباً.

قابلنا أحد المهربين، واستلم من كل شخص 400 دولار (350 يورو تقريبا) لقاء إيصالنا إلى طرابلس. استمرت الرحلة أربعة أيام، دون طعام أو شراب كافيين، في أجواء صحراوية حارة وشاقة. كنا سوريين ومغاربة وجزائريين وتونسيين وأفارقة من جنوب الصحراء.

بمجرد الوصول إلى طرابلس في نهاية تموز/يوليو، تم إيصالي بـ"حرّاق"، أي مهرب، وحدد لي موعد محاولة الهجرة.

ذهبت إلى الموعد، وتفاجأت بأكثر من 115 شخصا مكدسين في غرفتين صغيرتين في انتظار التوجه إلى الشاطئ. قضينا ليلة على هذا الحال قبل أن ننطلق على متن القارب.

تسلم المهرب من كل شخص مبلغ 1500 دولار (1300 يورو تقريبا)، وصعد على متن القارب 70 شخصا بينما انتظر الباقون وصول قارب آخر. كان على متن قاربي أطفال ونساء، إحداهن كانت حاملاً.

للمزيد >>>> غرق قارب قبالة السواحل الليبية راح ضحيته 15 مهاجرا

"تُركنا في منتصف الصحراء، دون أي ماء أو طعام، واضطررنا للمشي لمدة ثلاث ساعات"

بمجرد انطلاق القارب في البحر، حضرت سيارات شرطة إلى الشاطئ ووجهت مصابيحها في اتجاهنا، ثم بدأ زورق تابع لخفر السواحل الليبي بملاحقتنا. حاول سائق القارب، وكان مصري الجنسية، الاستمرار في التقدم نحو عرض البحر، إلى أن قام المسلحون الثلاثة بإطلاق النار في المياه وتهديده بقتله. فتوقف القارب.

اصطحبنا رجال خفر السواحل إلى الشاطئ، وقاموا بسؤالنا إذا ما قام أحدنا بتصوير أي شيء قبل أن يقوموا هم بتصويرنا. سمعت من أحدهم كلاماً عن أنهم يتلقون مالاً من أوروبا لقاء كل مهاجر يتم اعتراضه.

نُقلنا بعد ذلك إلى مركز احتجاز قريب من زوارة، وهناك تم التحقيق مع كل شخص قال إنه قد يتعرف على المهربين. صراحة، أنا وأربعة سوريين آخرين التزمنا الصمت. نمنا ليلة واحدة في ذلك المركز، تم إعطاؤنا قطعة من الخبز وبعض الجبن وماء للشرب، بالإضافة إلى وجود مياه للاغتسال، ولكنها ساخنة جداً بسبب الموقع الصحراوي للمركز.

وفي منتصف الليل، قام المهاجرون الآخرون بالهروب من نافذة غرفة الاحتجاز. ترددت أنا والسوريون، لكننا قررنا البقاء، لأن جوازات سفرنا مع الشرطة المتواجدة في المركز، ولأننا دخلنا ليبيا بشكل شرعي، ولسنا مهاجرين غير شرعيين فيها. خفنا أن نبقى عالقين في ليبيا إذا هربنا.

وبالفعل، في الصباح توسلنا إلى مسؤول المركز ليسمح لنا بالذهاب إلى حال سبيلنا فوافق. لكنه تركنا في الصحراء دون أي ماء أو طعام. اضطررنا للمشي لمدة ثلاث ساعات تحت الشمس الحارقة حتى نصل إلى زوارة.

للمزيد >>>> "حياة أشبه بالموت".. توثيق انتهاكات بحق السوريين العائدين لبلادهم

ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش مع خمسة شباب سوريين في شقة مكونة من غرفتين، إيجارها 100 دولار شهريا (85 يورو).

حاولت البحث عن عمل لكن الأمر معقد، فأصحاب العمل يستغلون المهاجرين، في بعض الأحيان لا يدفعون الأجرة أبدا وفي الوقت ذاته يتعرض المهاجرون إلى حملات اعتقال عشوائية في الشوارع. وبما أنني متواجد في ليبيا بشكل شرعي ومعي جواز سفر رسمي أضطر إلى حمله معي طوال الوقت، ما يشكل مخاطرة كبيرة، ففي أي لحظة قد أتعرض للسرقة وأفقده، لذا أفضل البقاء في الشقة وعدم التنقل كثيراً.

اضطررت مؤخراً للتفكير في العودة إلى سوريا، على الرغم من أنني أجهل تماماً مصيري هناك، فلا أعلم أي شخص غادر وعاد، لكني لا أملك أي خيار آخر. الحياة في ليبيا كالجحيم، والمخاطر غير محدودة في سوريا، أين نذهب؟ وأين نعيش بأمان؟