إحدى النقاط الحدودية الفاصلة بين شطري العاصمة القبرصية نيقوسيا، شمال تحت السيطرة التركية وجنوبي أوروبي. مهاجر نيوز
إحدى النقاط الحدودية الفاصلة بين شطري العاصمة القبرصية نيقوسيا، شمال تحت السيطرة التركية وجنوبي أوروبي. مهاجر نيوز

عائلة فلسطينية جاءت إلى قبرص قبل خمس سنوات حيث تقدمت بطلبات لجوء. بعد ثلاث سنوات أجروا مقابلة اللجوء الأولى، وبعدها بسنتين استلموا قرارا برفض طلبات لجوئهم. العائلة الآن تعيش موقفا صعبا للغاية، فبعد ضياع خمس سنوات، بات من الصعب العودة إلى فلسطين ويبدو أنه بات من الأصعب أن يستكملوا الحلم الأوروبي.

"خمس سنوات مضت، ضاعت ونحن ننتظر الرد على طلب اللجوء، والنتيجة الرفض"، عبارة بدأ حديثه بها محمود، طالب اللجوء الفلسطيني في قبرص، التي قدم إليها قبل خمس سنوات مع عائلته الصغيرة حينه، زوجته وابنته.

اليوم، سلام ابنة محمود ومريم، المولودة في مدينة أريحا في فلسطين تبلغ من العمر ست سنوات، تتحدث اليونانية بطلاقة وتستعد لنسج أحلام المستقبل وخطط المهن المستقبلية. بجانبها يكبر علاء، شقيقها الأصغر البالغ من العمر ثلاث سنوات، المولود في قبرص.

"لا يمكن لطفليّ أن يحققا أحلامهما في ظل الاحتلال"

تتحدث مريم عن الأحلام والخطط والمستقبل، في وقت تلهو فيه سلام بألعابها ويقفز علاء في أرجاء الغرفة تارة بحضن أمه وطورا على ظهر والده. لا يعلم الولد السعيد كم الهموم التي تنهك بال والديه، اللذين بدورهما يحاولان إخفاءها عن طفليهما. "لا أريد سوى أن أضمن مستقبلا أفضل لهما"، تقول مريم وهي تنظر لابنتها تلعب، "العودة إلى فلسطين ممكنة، لكن مستقبل طفلاي سيكون بمهب الريح. لا يمكن أن نحيا بشكل طبيعي هناك، لا يمكن لطفلي أن يحققا أحلامهما في ظل الاحتلال والحروب والمستقبل الغامض".

يرد محمود "خمس سنوات مضت ونحن نمني أنفسنا بالحلم الأوروبي، حقوق الإنسان والمستقبل المضمون. خمس سنوات ضاعت وأنا أركض بين مكاتب الهجرة ودائرة المساعدات والبحث عن عمل، اعتقدت خلالها أنني وعائلتي بتنا بأمان". ويكمل "الموضوع لا علاقة له بحبي لبلادي، لكن عليّ أن أبحث عن الغد الأفضل لعائلتي".

العمل المستحيل

تقدمت العائلة لحظة وصولها إلى قبرص في 2017 بطلب اللجوء. حصلوا على وثائق تثبت أنهم طالبي لجوء واستفادوا من المعونة المادية التي توفرها الدولة لهذه الفئة، "لكنها لا تكفي لكافة الاحتياجات، خاصة وأن عائلتنا باتت أكبر"، تقول مريم. "حاولت إيجاد عمل في البداية، فأنا خريجة كلية التجارة ولدي شهادة في التصميم الفني، لكن طوال الوقت كنت أصطدم بالرفض كوني محجبة".

للمزيد>>> قبرص.. محاولات لتطوير نظام اللجوء والنتيجة نفسها

بالنسبة لمحمود الموضوع ليس مختلفا، "كنت مدرب فنون قتالية في فلسطين. دربت في عدد من الأندية الرياضية، حتى أنني ذهبت بعقود عمل مؤقتة للإمارات للتدريب هناك. كل هذا جلبته معي عند قدومي، لدي شهادات دولية. توجهت لأندية رياضية هنا متخصصة بالفنون القتالية، جميعهم اعتذروا كوني لا أملك أوراق اللجوء التي تسمح لي بالعمل". وأضاف "اضطررت للبحث عن وظيفة تخولني الحصول على المزيد من الموارد. عملت لدى الكثير من المؤسسات، خاصة في قطاع البناء، لم أكمل أكثر من شهرين في كل مؤسسة. كل مرة كنت أتقاضى راتبا أقل بكثير من المتفق عليه، النصف تقريبا، وفي كل مرة كنت أعترض، كنت أطرد".

إيجاد عمل بالنسبة لطالبي اللجوء في قبرص شبه مستحيل، كونهم لا يملكون الحق بالعمل، ما يجعلهم عرضة للاستغلال ولسوء المعاملة.

رفض اللجوء بسبب وكالة "الأنروا"

بالعودة إلى طلب اللجوء، قالت مريم إنها ذهبت للمقابلة، التي تم تحديدها بعد ثلاث سنوات من وصولهم لقبرص، ومعها كافة المستندات التي قد تساعدهم على طلب اللجوء، "قدمت لهم شهاداتي وخبراتي المهنية، وتقارير طبية تثبت تعرضي للضرب من قبل قوات الاحتلال والآثار التي مازالت ظاهرة على جسدي. أثبت لهم استحالة الحياة الطبيعية في فلسطين. طوال المقابلة كانت الموظفة تسألني عن بطاقة الأنروا وما إذا كنت مسجلة كلاجئة لدى المؤسسة الأممية. أنا مسجلة على بطاقة أهلي، كوننا لاجئين منذ عام 1948 ونقيم في أريحا. اتصلت بأهلي أثناء المقابلة وأرسلوا لي صورة عن البطاقة. قالت لي الموظفة إنها ستساعدني للحصول على اللجوء. اتضح أنني وقعت بالفخ".

من الأسباب الرئيسية التي ذكرتها السلطات لتبرير رفض طلب اللجوء للعائلة، هو وجود اسم الأم على بطاقة عائلتها، ما يخولها الاستفادة من أي خدمة قد توفرها تلك البطاقة.

يقول محمود "أنا لست مسجلا لدى الأنروا، مع أن أهلي لاجئين أيضا منذ 1948. اتصلت بالمسؤول عن ملف اللجوء لأستوضح منه ما الذي عليّ فعله، قال لي إنه يمكنني التقدم بطلب لجوء منفصل عن زوجتي، هل هذا معقول؟".

والأنروا، وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين، أسستها الأمم المتحدة عام 1949 للاستجابة لاحتياجات اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم عام 1948 لتقديم الإغاثة لهم.

تقول مريم "صحيح أنا مسجلة على بطاقة أهلي، لكن تلك البطاقة لا تقدم لنا شيئا، حتى البرامج الطبية والدراسية التي تقدمها الوكالة باتت تتقزم سنة تلو أخرى، فكيف يمكن أن يكون واقع وجود اسمي على تلك البطاقة عاملا لرفض طلب لجوئي وعائلتي. تلك البطاقة لا توفر لنا الحماية، قلت لهم هذا ولكن لم يسمعوني".

خمس سنوات من الإهمال يضاف إليها التمييز بين اللاجئين"

يتدخل محمود وهو يحاول أن يلاعب ابنه "هذا كله لا يبرر أن يوضع مصير عائلة بأكملها لمدة خمس سنوات على الرف، وبعدها يأتي الرفض. ما الذي سنفعله الآن؟ ابنتي كبرت هنا، وابني مولود هنا ومعه بطاقة طالب لجوء، إذا رفض طلب الاستئناف، وأخشى أن يرفض، إلى أين سنذهب؟". وأورد المعاناة التي يضطر لخوضها يوميا تقريبا للحصول على موعد مع المسؤول عن ملفه لدى دائرة الهجرة، "أذهب يوميا من السابعة صباحا وحتى الثانية بعد الظهر، أنتظر في الخارج، مع المئات من طالبي اللجوء الآخرين لنتمكن من الدخول للحصول على معلومات عن ملفاتنا. المهمة مستحيلة، أحاول الاتصال بهم لكن ما من أحد يرد على الهاتف. يضعونا في مكان يستحيل التعامل معه. هناك طالبي لجوء يفقدون أعصابهم أحيانا، يغضبون من الإحساس بالتمييز والإهانة، يرفعون أصواتهم أمام باب المركز، فتحضر الشرطة مباشرة ويُضرب الجميع. هل هذه هي أوروبا؟".

للمزيد>>> قبرص تحذر من نفاذ الموارد المخصصة لإدارة ملفات الهجرة واللجوء لديها

ثم يتبع سؤاله "هناك اللاجئون الأوكرانيون، الذين نتضامن مع مأساتهم بشكل كامل، لكن لمَ التمييز بيننا وبينهم؟ ونحن ننتظر أمام باب المركز، يحضر الأوكرانيون، فيدخلوهم مباشرة دون أي عوائق. هذا الفعل يثير حفيظة المئات ممن ينتظرون أياما وأسابيع للحصول على فرصة للدخول. وما يزيد الطين بلة هو أن اللاجئين الأوكرانيين يحصلون على المساعدة النقدية مباشرة هناك، هذا يرفع مستويات الغضب لدى الآخرين. هذا التصرف التمييزي لا يمكن تفسيره".

تقيم العائلة اليوم في منزل في الجهة الشرقية للعاصمة القبرصية أجرته 850 يورو شهريا، وتبلغ قيمة المساعدة الشهرية التي تتقاضاها من السلطات 600 يورو، ما يعني أنه على الوالدين إيجاد عمل لاستكمال المبلغ لاستيفاء الإيجار فقط على الأقل، لكن إذا أثبتت السلطات أن أحدهما يعمل، ولو بشكل غير شرعي، سيفقدون المساعدة الشهرية ويصبح مصيرهم في مهب الريح.