واجهة مدخل فندق ماغداس في العاصمة النمساوية فيينا. شريف بيبي

فندق "ماغداس" في فيينا... اللاجئون في قلب أعمال السياحة النمساوية

شريف بيبي
من قبل نشر بتاريخ : 15/11/2018
فندق "ماغداس" في العاصمة النمساوية فيينا ذاع صيته مع بداية أزمة الهجرة عام 2015، كونه مبادرة زاوجت بين مفهومي العمل الإنساني وعالم الأعمال، وتساهم بدمج اللاجئين في النمسا في المجتمع كقوة فاعلة ومنتجة اقتصاديا.
مكتب الاستقبال في فندق ماغداس. الصورة: آسيم سليم
مفهوم جديد في قطاع الخدمات والسياحة
مكتب الاستقبال في فندق ماغداس. الصورة: آسيم سليم

"ماغداس"، فندق غير معهود في العاصمة النمساوية فيينا، مفهوم جديد في قطاع الخدمات والسياحة استطاع المزاوجة بين العمل الإنساني وعالم الأعمال ليخرج بنتيجة مذهلة.

الفندق الذي يقع بمواجهة "العجلة العملاقة"، إحدى أبرز معالم فيينا، كان دارا لرعاية المسنين، قبل أن يتم تحويله، وفقا لأحد الإعلانات إلى "استقبال المسافرين والمحتفلين والمستكشفين".

افتتح الفندق عام 2015، يضم 88 غرفة، إضافة إلى 10 غرف إضافية مخصصة كسكن طلابي. كما يعمل فيه 10 متخصصين في مجال الفنادق إضافة إلى 20 لاجئا ينتمون لعشرات البلدان والثقافات.


أنشئ مبنى الفندق في ستينيات القرن الماضي، وكان مملوكا لمؤسسة كاريتاس الخيرية الكاثوليكية. بعد أن أقفلت دار الرعاية أبوابها، تمكنت مؤسسة "ماغداس"، إحدى المؤسسات الشقيقة لكاريتاس، من الاستحواذ عليه حيث باشرت بصيانته وتعديله ليتواءم مع مشروع الفندق، مع المحافظة على طابعه العام.


غابرييلا سونليتنر، مديرة الفندق وإحدى مؤسسات المبادرة
اللاجئون عناصر فاعلة ومنتجة في المجتمع النمساوي
غابرييلا سونليتنر، مديرة الفندق وإحدى مؤسسات المبادرة

غابرييلا سونليتنر، مديرة الفندق وإحدى مؤسسات المبادرة، شرحت لمهاجر نيوز خلفية المشروع وآلية عمله انطلاقا من مهمة مؤسسة "ماغداس" التي تقضي بتمكين وتدريب اللاجئين والمهاجرين في مجالات السياحة والخدمات.

"الفكرة الرئيسية هي إبراز اللاجئين كعناصر منتجة وفاعلة في محيطها، وليسوا عالة على المجتمع النمساوي"، وتضيف المرأة الخمسينية بانفعال بارز على حركات يديها "يدير الفندق 30 شخصا، 20 منهم من المهاجرين. الجميع لديهم الخبرة الكافية للعمل في هذا المجال. يمكنني القول بأن فريقنا دولي ويحتوي على خبرات من حول العالم، لدينا أكثر من 15 جنسية مختلفة".

بالنسبة لغابرييلا الفندق بفكرته وموقعه وتصميمه مميز جدا. "يمكنكم ملاحظة أن هذا الفندق مميز منذ اللحظة الأولى لدخولكم إليه... هنا يأتي الناس من كافة أنحاء العالم، حيث يختلطون مع المهاجرين ليشكلوا صداقات عابرة للحدود. ونحن دوما ندعو نزلاءنا إلى اختبار فيينا معنا بطريقة جديدة ومختلفة من خلال شعارنا: ‘كن منفتحا واختبر شيئا فريدا‘"، في محاولة لعكس تجربة الإقامة في "ماغداس" وما تقدمه للنزلاء الذين يسعون إلى اختبار شيء مختلف عن التقاليد النمساوية تجربةً عصريةً ومتعددة الثقافات في فيينا.

العمل الإنساني وعالم الأعمال

خلال حديثها، أشارت مديرة الفندق بشكل متكرر لفكرة مزاوجة "ماغداس" لمفهوم العمل الإنساني بعالم الأعمال، "هنا نقوم بتدريب المهاجرين واللاجئين في مجال إدارة الفنادق وقطاع الخدمات. مؤخرا أطلقنا برنامجا تدريبيا مهنيا يحصلون بنهايته على شهادة خبرة تخولهم العمل في هذا المجال". وتضيف: "القيمة المضافة الأساسية التي نقدمها للمهاجرين العاملين معنا هي تحسين لغتهم النمساوية-الألمانية وتعريفهم على الثقافة ونمط الحياة النمساوية، فهم غالبا ما سيذهبون بعد انتهاء فترة التدريب معنا إلى فنادق أخرى، أكبر ومجهزة بشكل أفضل، ليستكملوا تدريبهم هناك وربما ليتابعوا حياتهم المهنية. ما نقوم به هنا هو تجهيزهم بالآليات والأدوات اللازمة لهم".

14 جنسية مختلفة، 14 لغة، 14 تجربة مختلفة، جميعهم ساهموا بتشكيل الفندق على الصورة التي هو عليها الآن. يمكنك أن تلاحظ مدى تعلق العاملين هناك بالمكان من خلال تحركاتهم واهتمامهم بأدق التفاصيل، لدرجة أنه لا يمكن للمرء إلا وأن يخرج بقصة أو تجربة شخصية بعد زيارته لهذا الفندق المميز.

"نحاول أن نحافظ على بيئة إيجابية ومريحة في الفندق، جميعنا نشعر هنا وكأننا في المنزل. نسعى لأن نخلق بيئة عمل إيجابية وطبيعية للموظفين، لذا نتعمد عدم التطرق إلى الجانب الإنساني أو الاجتماعي في عملنا لنفسح المجال أمام اللاجئين العاملين في الفندق ليحظوا بتجربة مهنية بحتة، ويتسنى لهم العيش كموظفين طبيعيين غير مضطرين لمشاركة قصص لجوئهم مع أحد".

غولت إبراهيم، أحد اللاجئين العاملين في فندق ماغداس، قال لمهاجر نيوز: "أنا أتدرب في الفندق منذ خمسة أشهر، هدفي أن أصبح طباخا ماهرا".

اللاجئ الصومالي البالغ من العمر 18 عاما وصل إلى النمسا كلاجئ قاصر وحيد منذ ثلاث سنوات ونصف.

  18

ويبدي غولت سعادته بالعمل هناك وارتياحه للتعامل مع إدارة الفندق، إضافة إلى العلاقات الجيدة مع زملائه اللاجئين الذين يتدربون أو يعملون في الفندق.

ويشير اللاجئ الصومالي إلى أنه يريد أن يقوم بلم شمل عائلته التي مازالت في الصومال، ويقول "أنا سعيد أنني أعيش بأمان وأستطيع العمل لكي أجعل عائلتي تصل إلى حياة آمنة أيضا".

يطغى أسلوب الستينات على التصميم الداخلي للفندق. شريف بيبي
الكتب بديل عن التلفاز
يطغى أسلوب الستينات على التصميم الداخلي للفندق. شريف بيبي

بهو الفندق الرئيس يطغى عليه اللون الأبيض، مع بعض الصور لعاملين في الفندق على الجدار الأيسر. في المواجهة ساحة واسعة فيها عدة دراجات هوائية يمكن للنزلاء استخدامها متى شاؤوا.

لعشاق تصاميم الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، هذا الفندق هو المكان المثالي. كل شيء من بلاط الأرضية إلى الإضاءة إلى التصميم الداخلي للغرف، يجعلك تشعر وكأنك في أحد أفلام رشدي أباظة وسعاد حسني.

الكتب هنا هي البديل عن التلفاز في الغرف، "فنحن نشجع نزلاءنا بدل البقاء في غرفهم ومشاهدة التلفاز، النزول إلى البهو الرئيسي واستخدام المكتبة العامة هنا أو التعرف على النزلاء الآخرين والعاملين في الفندق".


الغرف ليست متشابهة، لكل منها جوها وشخصيتها. فالمصممون أعادوا تدوير الأثاث والتجهيزات التي كانت في دار المسنين لخلق جو فني، حيث تم قص الخزائن وتحويلها إلى مقاعد، أما الأبواب فاستخدمت كأطر لمرايا ضخمة علقت على الجدران. ليس هناك من خزانات داخل الغرف، بل رفوف أمتعة أحضرت من قطارات قديمة تمت ملاءمتها ليصبح بإمكان الزبائن توضيب أغراضهم عليها.

ميكائيل كزيغان، أحد نزلاء الفندق قال لمهاجر نيوز "وجدنا هذا المشروع بالصدفة على الإنترنت، وقلنا لأنفسنا إنه يبدو مثيرا للاهتمام ويستحق أن نراه عن قرب، كما أننا أردنا دعم الفكرة. وبالإضافة إلى ذلك فإن موقع الفندق جيد في فيينا... الإفطار ممتاز والخدمة جيدة، وحتى فكرة وجود أثاث مصنوع من مواد معاد تدويرها جميلة. بالتأكيد سآتي إلى هنا مرة أخرى".


خلال السنوات الثلاث الماضية، استضاف الفندق أكثر من 60 ألف نزيل. وتقول غابرييلا "نزلاءنا يأتون من مختلف أنحاء العالم، اليابان والأمريكيتين والصين ومختلف الدول الأوروبية، لكن معظمهم يأتون من الدول الأوروبية. الغالبية العظمى من النزلاء أمضوا فترة رائعة معنا وساعدونا كثيرا بالتعريف عن الفندق. لا نقوم بأي حملات إعلامية أو إعلانية خاصة، يمكن إيجادنا على موقع حجز الفنادق الشهير Booking على سبيل المثال".

أما بريغيتا إدلر-ريكرت، وهي نزيلة أيضا هناك، قالت "...جميل كيف تم إعادة تصميم البناء بنوافذه وأثاثه والنباتات التي فيه، كما أن غرفة المعيشة فيه جميلة... لم نتعامل مع اللاجئين سوى في الاستقبال، وأنصح الناس بزيارة الفندق".

غولت خلال تنظيمه لبراد المأكولات في كافيتيريا الفندق. آسيم سليم
تأسيس مبادرات مشابهة
غولت خلال تنظيمه لبراد المأكولات في كافيتيريا الفندق. آسيم سليم

وحول تعميم تجربة الفندق قالت غابرييلا: "نسعى لنشر فكرة الفندق في النمسا وخارجها. هناك مفاوضات سارية حاليا بيننا وبين مؤسسة في هولندا لتمويل فندق مشابه هناك".

وأضافت: "مؤخرا افتتحنا مطعما في كلانفورد جنوب النمسا. فكرة المطعم مستوحاة إلى حد كبير من الفندق. المطعم لاقى نجاحا نسبيا في تلك المنطقة التي لطالما اشتهرت بالمناخ المعادي للمهاجرين".

وعادت غابرييلا بذاكرتها إلى الأيام الأولى لافتتاح الفندق. "سكان المحيط كانوا حذرين، لا أعلم ما إذا كان الحزب اليميني وراء إخافتهم من فكرة الفندق بداية، إلا أننا تمكنا لاحقا من تجاوز مخاوفهم وبناء علاقة طيبة مع معظمهم. الكثير من جيراننا يترددون علينا خاصة في عطل نهاية الأسبوع لتناول الغداء أو العشاء أو لاحتساء القهوة". وشددت غابرييلا على أن "الوسيلة الأفضل لمحاربة رهاب اللاجئين هي الاختلاط بهم والتعرف عليهم".

تشاؤم من مستقبل سياسات اللجوء في النمسا

لا تبدي غابرييلا تفاؤلا حيال مستقبل اللجوء في النمسا خاصة في ظل الحكومة اليمينية الحالية، "الوضع العام في النمسا بالنسبة للمهاجرين واللاجئين يتجه للأسوأ، حتى بالنسبة لنا إذ بات الحصول على تمويل من الحكومة لمشاريع مرتبطة بتعزيز اندماج المهاجرين صعبا جدا".

إلا أن الوضع لم يكن على هذا الحال في السابق، فخلال السنوات القليلة الماضية طبقت النمسا برنامجا فريدا يدعى "برنامج الاندماج الطوعي"، كان يسمح للحاصلين على اللجوء بالعمل كمتطوعين في مؤسسات مثل فندق ماغداس، وفي الوقت نفسه يحصلون على المعونة المادية الشهرية المخصصة لهم. هذا البرنامج أعطى دفعا كبيرا للكثير من اللاجئين للتعرف على المجتمع النمساوي واللغة والعادات من خلال العمل والاحتكاك اليومي بالمواطنين النمساويين، دون أن يكلف الحكومة أي مبالغ إضافية. البرنامج أثبت أن الاندماج ممكن. ولكن "للأسف أوقفت الحكومة العمل بهذا البرنامج الآن، ما أدى إلى تراكم المزيد من المشاكل على المستويات الإدارية والاجتماعية والإنسانية".

الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
نص: شريف بيبي
صور: آن دياندرا لوارن، شريف بيبي، آسيم سليم، رويترز
رئيسة التحرير: أمارة مخول