مهاجرون في محطة مرسيليا

مهاجرون في محطة مرسيليا

مرسيليا: مهاجرون تائهون بين شبكات تجارة المخدرات والتشرد في الشوارع

دانا البوز
من قبل نشر بتاريخ : 22/02/2019 آخر تحديث : 25/02/2019
بعد أن كانت حياة معظمهم على المحك، نجحت أعداد كبيرة من المهاجرين بالوصول إلى مدينة مرسيليا الساحلية، لكن وصولهم إلى فرنسا لا يعني بالضرورة نهاية المخاطرة. مئات المهاجرين القصر مشردين في الشوارع، كفريسة تستسيغها شبكات تجارة المخدرات، بينما تواجه المدينة تحديات كبيرة باستيعاب الوافدين الجدد، واتهامات الجمعيات الإنسانية التي تطال الدولة الفرنسية بأنها غير قادرة على حماية القصر وتأمين الرعاية المناسبة لهم.
محطة قطارات "سان شارل"
قاصرون مشردون في الشوارع
محطة قطارات "سان شارل"

يسند عثمان جسده المنهك على حائط محطة "سان شارل" للقطارات في مرسيليا. يضع حقيبته الصغيرة إلى جانبه ويغمض عينيه المتعبتين جراء ليالي التشرد الباردة التي أمضاها في شوارع المدينة، لكن جميع محاولاته بأخذ قسطا من الراحة باءت بالفشل.

يدخل الشاب المالي الذي بلغ مؤخرا سن الـ14 إلى المحطة لعله يجد مقعدا فارغا وسط المكان المليء بالمسافرين ولافتات الترحيب إلى أوروبا. يجد أخيرا مكانا بجانب المنشورات العريضة التي غلّفت بعض جدران المحطة، وطبع عليها مقتطفات من نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

عشرات الأيام مرّت قبل أن يعلم الشاب الصغير بوجود جمعيات قادرة على مساعدته، ويقول لمهاجرنيوز "هربت من مالي بعد أن تعرضت لعنف جسدي وأجبرني أهلي على ترك المدرسة. وحين وصلت أخيرا إلى فرنسا كنت وحيدا، لم أعلم أين أذهب وماذا أفعل". وفي نهاية يناير/كانون الثاني، تمكّن الشاب من إيجاد مكان في بناء استولى عليه ناشطون وجمعيات إنسانية لإيواء المهاجرين.

لم يكن عثمان القاصر الوحيد الذي توجه إلى بناء "سان جوست"، فقد تجاوز عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم في البناء 120 مهاجرا من أصل أكثر من 250 مهاجرا يعيشون هناك بينهم 60 طفلا.


"هناك عائلات ونساء مع أطفالهم في الشارع في وضع هش للغاية، كان علينا أن نتصرف"، تقول الناشطة إيزابيل التي تشارك في إدارة المكان الذي تم الاستيلاء عليه في 18 كانون الأول/ديسمبر 2018.

وتعد مرسيليا أبرز المدن الفرنسية التي يقيم بها القصر غير المصحوبين بذويهم، وفقا لتقرير وزارة العدل للعام 2018. المدينة معروفة باستقبالها أعدادا كبيرة من المهاجرين نظرا لموقعها الجغرافي وقربها من حدود إسبانيا وإيطاليا، ولديها شهرة واسعة بوجود جمعيات تضامن مع اللاجئين، لكن تبقى نسبة القصر فيها تحديدا مرتفعة مقارنة مع باقي المدن الفرنسية.

كما يتم إرسال القصر من مدن فرنسية أخرى إلى مرسيليا وفقا لإجراء "التوزيع الوطني"، الذي من المفترض أن يوازن عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم في المدن الفرنسية وفقا لعدة معايير. وبشكل عام، وفقا لمصدر من إدارة المدينة، "المحافظة الأكثر تعدادا للسكان تحظى بعدد أكبر من القصر، لكن المشكلة أن الكثير من الصغار الذين يتم إرسالهم إلى إقليم بوش دو رون كانوا يعيشون ضمن ظروف أفضل في المدن الأصغر. هنا لا نستطيع تأمين نفس ظروف الاستقبال نظرا للعدد الفائض لدينا".

بناء "سان جوست"
"لا أريد العودة إلى حياة التشرد"
بناء "سان جوست"

وكان بناء "سان جوست" المكون من ثلاث طوابق يتبع لأبرشية المدينة، وبقي فارغا لسنوات عديدة. وتقول إيزابيل "كان هذا المكان المثالي بالنسبة لنا لإيواء المهاجرين، حيث يوجد فيه أكثر من 60 غرفة تضم معظمها حمامات خاصة".

لكن هذا الحل لن يدوم طويلا، فالبناء تم بيعه إلى معهد تدريب ويتوجب على القاطنين فيه إخلاءه خلال شهرين. وتوضح إيزابيل "يحتاج ملاك المبنى الجدد للقيام بأعمال صيانة، وطلبوا منا المغادرة بحلول 31 آذار/مارس، لكننا في مفاوضات مفتوحة معهم لإيجاد حل والضغط على المسؤولين في مدينة مرسيليا من أجل إيجاد وسيلة شرعية تضمن حقوق هؤلاء الأشخاص".

على كرسيها المتحرك، تخرج إناس ذات الثمانية أعوام من غرفتها برفقة والدتها ناديا. وصلت الأم البالغة من العمر 50 عاما برفقة ابنتها إلى فرنسا منذ نحو عامين، وتشرح لمهاجرنيوز "تركت زوجي وابنتي الثانية في الجزائر وجئت إلى هنا لمعالجة ابنتي التي تعاني من مرض متعلق بالنمو. ورغم وضعها الصعب، لم أستطع الحصول على سكن وصرفت كل ما أملك من مال. كنت أعيش في قلق دائم وأتصل باستمرار بخدمة طوارئ السكن 115، وأنا أعلم أن السكن في سان جوست هو حل مؤقت. أشعر بالخوف ولا أريد العودة إلى حياة التشرد".


وإلى جانب المدخل الرئيسي للمركز تصطف عربات الأطفال. وشهد المركز منذ افتتاحه 16 ولادة. وينحدر معظم المهاجرين من دول المغرب وساحل العاج وجزر القمر ونيجيريا وغينيا وصربيا وألبانيا.

كادي، طالبة لجوء من ساحل العاج لا يتجاوز عمرها الـ23 عاما، وصلت إلى فرنسا في تموز/يوليو 2017 بعد أن قررت الهرب من زوجها التي أجبرت على الزواج منه. وتقول لمهاجرنيوز "كنت حبلى عندما وصلت إلى فرنسا، وأمضيت ليالي الحمل مشردة في شوارع مرسيليا. تم رفض طلب لجوئي للمرة الأولى ولم أحصل على جواب إيجابي من قبل محكمة النقض أيضا. ومن ثم أخبروني عن برنامج العودة الطوعية وإعطائي 1000 يورو من أجل ذلك، لكني لا أستطيع العودة إلى بلدي لأني تعرضت لتهديدات بعد هروبي من زوجي السابق".


في نهاية الممر توجد "الغرفة الباردة"، حيث النافذة تبقى مفتوحة لدخول الهواء البارد. وكما يشير اسمها، تم تخصيصها لتخزين الخضار والمواد الغذائية. وفي المطبخ، يتعاون القاطنون على تحضير الطعام. وتشير إيزابيل إلى أنهم ينظمون وجبات طعام مشتركة بشكل دائم.

وبينما يبدو أحد المتطوعين في البناء منهمكا بتصليح أحد المقاعد الخشبية، يقف عثمان إلى جانب برنامج النشاطات المعلق على الحائط يبحث عن موعد درس اللغة الفرنسية الذي ينظمه متطوعون بشكل أسبوعي، إضافة إلى ورشات فنية ودورات رسم.


ويقول عثمان "كل ما أتمناه الآن هو التمكن من الذهاب إلى المدرسة. أنا متحمس جدا لأني بفضل الدروس هنا سأبدأ المدرسة ابتداء من آذار/مارس".

للمزيد: شهادة لاجئة من ساحل العاج أجبرت على الزواج في سن صغير وتعرضت للعنف

قاصرون في بناء سان جوست
اتهامات بعدم احترام حقوق القاصرين
قاصرون في بناء سان جوست

الموقع الجغرافي لهذا البناء له دلالة رمزية بالنسبة للناشطين والجمعيات، فهو يقع مباشرة مقابل المكاتب الإدارية لمجلس مدينة مرسيليا، المسؤولة رسميا عن حماية القاصرين في المدينة. وعلى المبنى، تم تعليق لافتة بيضاء كبيرة تنتقد رئيسة مجلس المدينة كتب عليها "مارتين فاسال، خارجة عن القانون".

ويلقي ائتلاف جمعيات "سان جوست" اللوم على سياسة مجلس المدينة، ويتهمه بالـ"التقصير تجاه حماية المهاجرين". وتطالب الجمعيات بتأمين مراكز إيواء جديدة لاستقبال المهاجرين وفتح 100 مكان إضافي لحالات الطوارئ.

آن غوتييه، الناشطة في شبكة "تعليم بلا حدود"، توضح لمهاجرنيوز "عندما يصل القاصر إلى مرسيليا، عليه أن يتوجه إلى قسم القاصرين المعزولين (ADDAP13) حيث يتم إدراجه على لائحة رسمية. وينص القانون على وجوب نقله إلى ملجأ آمن على الفور، ويجب أن يتم تقييم وضعه في غضون خمسة أيام. وتقع على الدولة مسؤولية تأمين المأوى في انتظار التقييم. وبعد أن يتم التأكد من عمر القاصر، تصدر محكمة الأطفال تعليمات برعاية القاصر. وبذلك، يصبح مجلس المقاطعة هو المسؤول عن الملف، ويجب عليه تأمين سكن وتعليم ورعاية صحية واجتماعية للقاصر".

لكن مرسيليا تبدو بعيدة جدا عن تحقيق ذلك، ووفقا لغوتييه، "يمضي القاصر ثلاثة أشهر على الأقل في الشارع بانتظار تقييم وضعه، ومن ثم يمضي معدل أربعة أسابيع في سكن مؤقت قبل أن تتم رعايته بشكل فعلي". وتؤكد الناشطة أنه يوجد نحو 150 قاصرا في مرسيليا حاصلين على أمر المحكمة برعايتهم، لكن قسما منهم ما زال في الشارع، وآخرون تم وضعهم في سكن مؤقت (فنادق)".


إقليم بوش دو رون (الذي تتبع إليه مارسيليا) يعترف بأن التأخير في مدة تقييم المهاجرين ورعايتهم يتزايد بشكل ملحوظ. ويبرر ذلك بتدفق القاصرين المستسمر إلى مرسيليا. وتوضح المستشارة المنتدبة إلى إدارة شؤون الأطفال بريجيت ديفيزا، أن "المدينة استقبلت 804 من المهاجرين القصر غير المصحوبين بذويهم خلال 2018، في حين أن عددهم كان بالكاد يصل إلى 60 قاصرا في عام 2015. ونتوقع ازدياد هذه الأرقام خلال 2019".

إلا أن الجمعيات ترفض هذا المبرر، وتعتبر الناشطة غوتييه أن "السلطات لم تكن قادرة على وضع مخططات لمعالجة الوضع"، وتشدد على أنه "من الضروري تأمين 150 مكانا لإيواء القصر الذين ينتظرون تقييم وضعهم، هناك حاجة ماسة لتعزيز استيعاب المراكز الخاصة باستقبال الأطفال".

المستشارة ديفيزا تشير من جهتها أنه خلال 2018 تم خلق 250 مكانا للقاصرين المزولين والعام القادم نترقب تأمين 100 مكان إضافي، لكن ذلك يتطلب وقتا. كما أننا نطلق دعوة لدعم مشاريع قادرة على تأمين 500 مكان إضافي في مراكز الأطفال".

مهاجر في مرسيليا
متاهة الحصول على سكن
مهاجر في مرسيليا

محافظة بروفانس ألب كوت دازور (PACA) وإقليم بوش دو رون، أكدا لمهاجرنيوز أن المنطقة تشهد "ارتفاعا غير مسبوق في أعداد طالبي اللجوء". وتقول المحافظة إنها "زادت عدد المساكن المتاحة" وتعتزم تعزيز الدعم هذا العام. ويشير مصدر رسمي في منطقة بروفانس ألب كوت دازور، أنه "كان هناك في البداية نحو 3900 مكان متاح. في عام 2017، ارتفع إلى 5200، ومنذ عام 2018، يوجد تقريبا 6200 مكان. أي قمنا بزيادة عدد الأماكن بنسبة تقارب 50% خلال عامين".


أرقام لم تقنع جمعيات حقوق المهاجرين التي رأت انعداما في الإرادة السياسية لإيجاد حلول. وتعبر باسكالين كورتيت مندوبة جمعية "لا سيماد" في جنوب شرق فرنسا عن سخطها من الوضع، "هذه الحالة ليس جديدة. منذ سنوات ونحن نطالب الدولة والمقاطعة بإيجاد حلول".

وتضيف كورتيت "الوضع هنا فوضوي، فإذا كان الشخص الذي يصل إلى هنا وحيدا ولا يجيد الفرنسية، سيدخل في متاهة مواعيد إدارية لا تحترم مدة التأخير المحددة واستحالة إيجاد سكن، وبالتالي يقعون بين أيدي شبكات المخدرات".

للمزيد: تعرّف على قصة الشاب الجزائري عاشور الذي وقع ضحية شبكات تجارة المخدرات

أما بالنسبة لأعداد المهاجرين المشردين، يشرح فلوران أودمون مدير مركز إسكان "آبي بيير" أنه "على عكس مدن مثل باريس حيث تنظم دوريات ليلية لمساعدة المهاجرين المشردين، في مرسيليا، لا يوجد ذلك، لا يوجد شيء. لذلك لا نملك أرقاماً دقيقة عن عدد المشردين في الشوارع، ناهيك عن نسبة المهاجرين بينهم".

مهاجرون شباب يسعون إلى إكمال دراستهم
انطلاقة جديدة عبر التعليم
مهاجرون شباب يسعون إلى إكمال دراستهم

ويستفيد بعض القاصرين المقيمين في بناء "سان جوست" من الدورات التي تقدمها جمعية "طلبة التعليم العام" (PEP13)، وتقول رئيسة الجمعية كاثرين بوريوس "يبدي المراهقون سعادتهم عندما يأتون إلى هنا ويظهرون التزامهم الكامل، ويرون المدرسة على أنها انطلاقة لحياتهم الجديدة".

يسعى رمضان (17 عاما) القادم من جزر القمر لإكمال تعليمه في مجال الصيدلة، لكن عليه في البداية إتقان اللغة الفرنسية. أما بالنسبة لأنجيلا القادمة من نيجيريا، فهي تحلم بأن تصبح لاعبة كرة قدم وعاملة في السباكة.


وتقدم الجمعية دورات لغة فرنسية ورياضيات للمهاجرين بين عمر 16 و20 عاما، والهدف هو إتاحة الفرصة لهؤلاء الشباب لإكمال عمليتهم التعليمية أو الانخراط في تدريبات مهنية. وتبلغ نسبة نجاح القاصرين بدبلوم اللغة الفرنسية للأجانب 98%.

وتلفت كورين أوفريت إحدى المعلمات في الجمعية "أننا نسعى دائما لبناء علاقة ثقة مع هؤلاء الشباب اليافعين"، وتقول ضاحكة "لا أعلم إن كانت تجربتهم جعلتهم ينضجون بشكل أسرع بالمقارنة مع باقي الطلاب من عمرهم. فالمدرسة أضحت من أولويتهم وهم يبدون حماسا وشغفا للتعلم". وتضيف المعلمة "نعمل دائما على تحضير نشاطات خارجية تسمح للقاصرين باكتشاف المدينة والتعرف على خدمات المؤسسات الفرنسية والجمعيات العامة".

إلا أن الجمعية مهددة بالإغلاق وتعاني من نقص التمويل. في عام 2016، تلقت الجمعية مساعدة مالية من محافظة بوش دو رون قدرها 90 ألف يورو، لكنها انخفضت إلى النصف العام التالي، لتنعدم نهائيا هذا العام.

وتأمل الجمعية أن تجد تمويلا جديدا لمواصلة عملها خاصة مع استمرار توافد القاصرين غير المصحوبين بذويهم وحاجتهم إلى التعليم المدرسي. لأنه بدون شبكة الأمان هذه، فإن الشباب يسهل وقوعهم كفريسة لشبكات تهريب المخدرات والبشر.

الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
دانا البوز