إحدى النقاط الحدودية الفاصلة بين شطري العاصمة القبرصية نيقوسيا، شمال تحت السيطرة التركية وجنوبي أوروبي. الصورة: شريف بيبي

قبرص.. حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية بمواجهة الهجرة

شريف بيبي
من قبل في 02/07/2019
تشهد قبرص منذ مدة أزمة حديثة نسبيا بالنسبة إليها، تتمثل بارتفاع أعداد المهاجرين الوافدين إليها عبر المتوسط. أزمة لم تعتد الجزيرة المتوسطية على التعامل معها، خاصة مع تداخل عدد من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحلية، كانقسام الجزيرة وقانون العمل وغيرها.
خريطة لمنطقة شرق المتوسط تظهر عليها قبرص والساحلين السوري واللبناني. أرشيف
أزمة الهجرة في قبرص.. الجزيرة المتوسطية مدخل المهاجرين إلى أوروبا
خريطة لمنطقة شرق المتوسط تظهر عليها قبرص والساحلين السوري واللبناني. أرشيف

تقع قبرص قبالة السواحل السورية واللبنانية، وهي تشكل حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية على المتوسط. تعتمد الجزيرة بشكل أساسي على عائدات السياحة، المحرك الأول للاقتصاد المحلي.

موقع الجزيرة إضافة إلى اعتمادها على السياحة أكسباها شهرة واسعة لدى سكان شرقي المتوسط، الأمر الذي لعب دورا مهما لاحقا باختيارها من قبل المهاجرين، خاصة القادمين من لبنان وسوريا، كوجهة لدخول أراضي الاتحاد الأوروبي.

ولم تتحول الجزيرة إلى مقصد لقوارب المهاجرين إلا أواسط عام 2018 نتيجة أسباب متعددة منها قربها الجغرافي من سواحل البلدين. ووفقا لكورينا دروسيوتو العضو في مجلس اللاجئين القبرصي، فإن "معظم المهاجرين يصلون من لبنان، عدد قليل يأتي من سوريا، وتحديدا من طرطوس... معظم المهاجرين الذين وفدوا إلى قبرص مؤخرا هم سوريون". وأردفت قائلة لمهاجر نيوز، "ليس واضحا لماذا ارتفعت أعداد المهاجرين بهذا الشكل مؤخرا، قد يكون السبب هو سوء الأوضاع المعيشية وإغلاق الحدود في لبنان، وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا".

أما الباحث في جامعة ليون الثانية فابريس بالانش، وخلال اتصال مع مهاجر نيوز في وقت سابق، فقال "إذا ما قارنا الأوضاع المعيشية للسوريين في لبنان مع أي مكان آخر، فسنجدها سيئة للغاية. فهم في كثير من الأماكن ممنوعون من التنقل ومعرضون للاعتقال التعسفي في أي لحظة، فضلا عن التمييز الذي يمارس بحقهم. لذا، فإن خيار الهجرة أو الهروب من لبنان هو الخيار الأول بالنسبة لهم". وأضاف "الكثير من السوريين، آثروا الهجرة إلى قبرص خوفا من الإعادة القسرية إلى سوريا".

بالنسبة لكاتيا ساحا، ممثلة مفوضية شؤون اللاجئين في قبرص، لم يكن السوريون مهتمون بالقدوم إلى قبرص لعوامل أبرزها تفضيلهم اللجوء إلى دول المحيط كونها قريبة من بلدهم. فهم اعتقدوا أن الأزمة ستمر بسرعة ربما. لكن مع اشتداد المعارك وانسداد آفاق الحلول، بدأوا بالبحث عن خيارات أخرى.

ووصفت ممثلة المفوضية الوصول إلى قبرص الشمالية عبر تركيا بأنه الطريق الأسهل والأكثر أمانا بالنسبة للسوريين، كون قبرص الشمالية تابعة لتركيا وهم لا يحتاجون إلى تأشيرة لدخولها كونها تابعة لتركيا.

                      cyprus-maps

هذا الأمر دفع بسلطات الجزء الشمالي من الجزيرة المتوسطية لإصدار قرار أواسط حزيران/يونيو الحالي يقضي بعدم السماح للسوريين دخول أراضيها بدون تأشيرة مسبقة، بعد لجوء عدد كبير منهم إلى استخدام قبرص الشمالية كممر للعبور إلى قبرص الأوروبية.

ويحتل موضوع انقسام الجزيرة إلى شطرين، شمالي تركي وجنوبي أوروبي، حيزا مهما في النقاشات اليومية في البلاد، وتم ربطه مباشرة بأزمة الهجرة، خاصة مع اعتماد المهربين على بعض النقاط غير المراقبة عند الخط الفاصل بين القسمين لتهريب المهاجرين إلى القسم الجنوبي.

مدخل مركز منظمة كاريتاس الكائن على الحد الفاصل بين شطري نيقوسيا الشمالي والجنوبي، 11 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز
طريق جديد للهجرة... استغلال وظروف حياتية سيئة
مدخل مركز منظمة كاريتاس الكائن على الحد الفاصل بين شطري نيقوسيا الشمالي والجنوبي، 11 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز

خلال تواجده في قبرص، التقى مهاجر نيوز بتييري، وهو مهاجر قادم من الكاميرون، قال "وضعت كافة مدخراتي التي جمعتها طيلة حياتي لأصل لأوروبا. المهرب الذي اتفقت معه أكد لي أنه سيوصلني إلى إيطاليا... صدقته وانطلقت بالرحلة. وصلت إلى إسطنبول، هناك استقليت طائرة أخرى قال لي المهرب إنها متوجهة لإيطاليا...".

ولكن الرياح جاءت بما لم تشتهيه سفن المهاجر الكاميروني. "حطت الطائرة فوجدت نفسي في القسم التركي من قبرص".

        11  2019

"لم يكن أمامي حلول كثيرة. لم يطل الأمر حتى وجدت مهربا هناك. طلبت منه أن يوصلني للجانب الأوروبي من الجزيرة. طلب مني 400 يورو، لكنني لم أكن أملك ذلك المبلغ، فقد دفعت كل أموالي للمهرب في الكاميرون. حينها، قال لي المهرب بأنه يمكنني العمل هناك حتى أتمكن من جمع المبلغ الكافي، وهذا ما حصل. عملت في مجال البناء لمدة ستة أشهر مقابل 6 يوروهات في اليوم... كانت الظروف المعيشية مروعة، اعتقدت أنني لن أخرج أبدا من ذلك الجحيم، لكنني تمكنت في النهاية من الوصول إلى هنا".

مثل تييري، هناك عدد كبير من المهاجرين الكاميرونيين تحديدا ممن وصلوا مؤخرا إلى قبرص بنفس الطريقة. فيديريكو، من مركز كاريتاس في نيقوسيا يؤكد هذا الموضوع. "وصلوا جميعا (الكاميرونيين) تقريبا عبر الحدود مع الشمال... يعدهم المهربون بإيصالهم إلى إيطاليا أو إسبانيا أو اليونان، إلا أنهم ينتهي بهم المطاف هنا. حين نريهم على الخارطة أين هم تحديدا، يبدأ الكثيرون منهم بالبكاء، فهم يائسون ولم يستوعبوا ما حصل لهم".

وتتوقع تقارير عدة لمنظمات محلية غير حكومية بازدياد اعتماد المهربين على هذه الطريق الجديدة لإيصال المهاجرين من أفريقيا إلى قبرص.

دوروس بوليكاربو، رئيس منظمة كيسا الحقوقية، 13 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز
هل هناك بينة تحتية فاعلة لتطبيق نظام لجوء حديث في قبرص؟
دوروس بوليكاربو، رئيس منظمة كيسا الحقوقية، 13 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز

في قبرص، تتداخل قضايا الهجرة واللجوء مع قضايا المهاجرين الوافدين كأيدي عاملة أو كطالبي علم هناك. ولفهم مدى التداخل تحتاج لخبير بالخلفيات الاجتماعية والسياسية هناك.

دوروس بوليكاربو، رئيس منظمة "كيسا" الحقوقية التي تعنى بتقديم المشورات والمساعدات القانونية للمهاجرين، قال لمهاجر نيوز "وضع اللجوء الحالي في قبرص بدأ بالتشكل منذ تسعينيات القرن الماضي، فقبل ذلك لم يكن لدينا أزمة هجرة أو لاجئين. بدأنا نشعر بوجود اللاجئين بعد 2004، قبل ذلك كان هناك شعور عام في قبرص بأن اللاجئين الوحيدين في العالم هم القبارصة الذين اضطروا لترك مناطقهم التي احتلت شمال الجزيرة عام 1974".


وأضاف " لدى قبرص مقاربة خاصة في ما يتعلق بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، فهي تسعى للتوقيع عليها دون أن تخلق آلية حقيقية لتطبيقها ضمن سياساتها الداخلية. هذا ما حصل بالاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين، التي أجبرت قبرص على تطبيقها بعد أن توصلت لاتفاق مع مفوضية اللاجئين يقضي بتكفلها بمصاريفهم والعمل على إعادة توطينهم في بلد آخر".

ولا يخفي رئيس المنظمة الحقوقية فقدان بنية تحتية لنظام لجوء فاعل في البلاد. وتطرق إلى قانون العمل هناك، المرتبط بشكل مباشر بقوانين الهجرة (اليد العاملة)، معتبرا أنه نظام "سيء يكرس التفرقة والممارسات العنصرية بحق المهاجرين. على سبيل المثال، سابقا، أي قبل طرح قانون العمل الجديد المعمول به حاليا (نظريا)، كان بإمكان المهاجرين تغيير عملهم خلال السنوات الأربع الأولى من وصولهم للجزيرة. بعد مضي تلك المدة سيكون عليهم الالتزام بنفس العمل دون التمكن من تغييره".

وأردف دوروس "النظام مركب بطريقة للإبقاء على هشاشة وضع هذه الفئة (المهاجرين)... هذا هو الإطار الذي تمكن السفاح (سفاح قبرص) من الاستفادة منه".

وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس بيتريديس في مكتبه في نيقوسيا، 13 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز
وزير داخلية قبرص: أرقام المهاجرين حاليا تتجاوز قدراتنا الاستيعابية
وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس بيتريديس في مكتبه في نيقوسيا، 13 حزيران/يونيو 2019. مهاجر نيوز

وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس بيتريديس، رأى أن بلاده تواجه أعلى نسبة مهاجرين مقارنة بعدد سكانها. وخلال حديث مع مهاجر نيوز في مقر عمله، قال بيتريديس "أنا قلق من الوضع الحالي، الأرقام (أرقام المهاجرين وطالبي اللجوء) مرتفعة للغاية وتتجاوز قدراتنا الاستيعابية".

ويشكو وزير الداخلية من رد فعل باقي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاه مطالبة قبرص بتقاسم عبء المهاجرين. "كبلد عضو في الاتحاد الأوروبي، نحن دولة تحترم حقوق الإنسان، قدمنا نصيبنا من ​​التضامن مع من هم بحاجة. ولكن الآن، تركت قبرص وحدها، ففي الوقت الذي قبلنا فيه استقبال مهاجرين من دول أخرى، لم يتم نقل مهاجر واحد من هنا إلى أي بلد أوروبي آخر".




أما بالنسبة لإجراءات اللجوء القائمة حاليا في الجزيرة، لا يخفي الوزير حصول تأخير في عمليات دراسة طلبات اللجوء بسبب ارتفاع أعدادها. ليعود ويؤكد على أن "الارتفاع غير المسبوق بأعداد المهاجرين لدينا أدى إلى تفشي أزمة إسكان وإيواء".

الوزير رفض كليا فكرة إنشاء مراكز إيواء إضافية على الجزيرة "لدينا مركز استقبال وإيواء واحد فقط. إذا أردنا استيعاب جميع المهاجرين، فسنحتاج إلى 50 أو 60 مركزا آخر. تخيل ذلك في بلد صغير مثل قبرص...".

أما عن فكرة منح طالبي اللجوء، خاصة السوريين، حمايات فرعية بدلا من اللجوء ومنعهم من لم شمل أسرهم، يقول بيتريديس "منحنا حتى الآن 15 ألف شخص الحماية الفرعية، أضف إليهم جميعا نحو ألف طلب جديد شهريا. تخيل لو ضاعفنا هذه الأعداد أربع مرات مثلا نتيجة لم شمل أسر اللاجئين لدينا؟ سوف تقفز أعداد اللاجئين في قبرص لتتخطى نسبة 10% في السكان...".

كاتيا ساحا، ممثلة مفوضية شؤون اللاجئين في قبرص، نيقوسيا 12 حزيران/يونيو 2019. الصورة: شريف بيبي
ممثلة مفوضية اللاجئين: على قبرص تطبيق إصلاحات إدارية لتحسين نظام اللجوء لديها
كاتيا ساحا، ممثلة مفوضية شؤون اللاجئين في قبرص، نيقوسيا 12 حزيران/يونيو 2019. الصورة: شريف بيبي

مهاجر نيوز التقى في قبرص ممثلة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كاتيا ساحا، حيث دار نقاش حول أوضاع اللجوء عامة في البلاد، إضافة إلى التحديات الرئيسية التي تواجه طالبي اللجوء والسلطات على حد سواء.

ساحا أكدت أن على السلطات القبرصية العمل على إصلاح نظام اللجوء لديها، بشكل يخولها دراسة طلبات اللجوء بشكل أسرع وتقديم الخدمات المطلوبة للاجئين بشكل فعال أكثر.

وشددت ممثلة المفوضية على أن طالبي اللجوء في قبرص لا يحظون بفرص كافية للولوج إلى سوق العمل، فالمهن المسموح لهم مزاولتها محصورة جدا. 

ساحا أشارت إلى أنه في قبرص هناك مركز استقبال واحد فقط في قبرص، إضافة إلى مركز إيواء واحد أيضا، في وقت هناك حاجة ملحة لاستحداث المزيد من هذه المراكز لاستقبال وإيواء الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء المهددين قصرا بالتشرد.


ولمتابعة نص المقابلة كاملا، يمكنكم الضغط على الرابط التالي:

ممثلة مفوضية شؤون اللاجئين في قبرص: على الدول الأوروبية تحمل مسؤولياتها بقضية الهجرة

الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
نص: شريف بيبي
صور: شريف بيبي، آن دياندرا لوارن
رئيسة التحرير: أمارة مخول