جلال وليلى

جلال وليلى

حب في المنفى

"كنا محتجزين داخل مستودع في ليبيا حين عرضت عليها الزواج" (2/3)

كنده يوسف
من قبل نشر بتاريخ : 13/02/2020 آخر تحديث : 14/02/2020
قصص حب لمهاجرين إما في المنفى أو خلال رحلة الهجرة إلى أوروبا. القصة الأولى لثنائي التقيا صدفة في فرنسا على الرغم من أنهما عاشا في الأماكن ذاتها لسنوات. القصة الثانية لشابين صوماليين التقيا داخل مخزن كانا محتجزين فيه في ليبيا، ووقعا في الحب. أما الثالثة، فهي قصة فتاة أفغانية هربت من أفغانستان مع حبيبها، ولكن بعد وصولهما إلى فرنسا تحول إلى شخص آخر لا تعرف عنه أي شيء.
احتجاز جلال داخل مخزن بالقرب من قرية تازربو الليبية
بداية اللقاء
احتجاز جلال داخل مخزن بالقرب من قرية تازربو الليبية

قصتي بالعموم بدأت في الصومال بعد أن قتلت "حركة الشباب" والدي وشقيقَيّ واختطفت أختي. أمي، طلبت مني بعدها الذهاب إلى مكان آمن، وقررت حينها التوجه إلى أوروبا. ولكن قصتي مع ليلى* بدأت من اللحظة التي دخلت فيها ليبيا.

بداية اللقاء

اسمي جلال*، أبلغ 24 عاماً، قدمت من الصومال إلى ليبيا. كنت دائم الالتزام بتعليمات المهربين، ولكن منذ دخلت عن طريق السودان إلى مدينة الكُفرة في ليبيا، تم اقتيادي مع آخرين إلى قرية تزوربا. وضعت في مخزن في القرية، تحت الأرض. كنا ثلاثة، ليلى كانت بيننا. لم أدرك كم من الوقت سنقبع داخل المخزن، لم أتكلم مع أحد حينها. شيئاً فشيئاً بات عددنا يكبر حتى غدونا أكثر من 120 شخصاً داخل المخزن.

لا نور ولا هواء. لم نكن نعلم عن العالم العلوي إلا أن ثلاثة مهربين يأتوننا منه، يضربون بعضاً منّا، يغتصبون نساء ويتطاولون على الجميع وينتهون بتوزيع وجبة طعام "معكرونة وماء" لم تتغير طوال ستة أشهر، ولا حتى بعد أن مات أكثر من 20 شخصاً.


كنا مختطفين داخل مستودع في ليبيا، هناك قررت طلبها للزواج

كنا نعتاد على الحياة السفلية المهينة، كنا سجناء مختلفين. لكل منا قصة وأسلوب حياة وسبب ودافع، لكن مع ذلك كنا ضعفاء عدا ليلى. لم يتمكن أحد من الاقتراب منها. كانت تحمل أملاً ما يحاول الجميع معرفة سره. كانت تصلي وتصوم دائماً، حتى السماسرة حينما يدخلون لا يقتربون منها. في الشهر الأول أعجبتني طاقتها في المكان البائس، حاولت التعرف عليها ومحادثتها، كنت أحادث الحزانى، والفرحين واللامباليين وأحادثها.

كانت مختلفة عن الجميع، شعرت معها بالطمأنينة الخالصة. كانت تحكي لي عن الأحلام. اقتربنا من بعضنا، وروت لي ما الذي سنصنعه حينما نخرج. كانت متأكدة من الخروج والخلاص. كانت تجذبني إلى عالمها فأصدق ما تقوله، إلى أن جاء يوم أخبرتها عن نيتي الزواج بها، أريد أن نبقى سوياً مدى الحياة. كنا مختطفين داخل مستودع في ليبيا، هناك قررت طلبها للزواج.

كان علينا أولاً إيجاد طريقة شرعية للزواج، وثانياً محاولة الاتصال بالصومال، هناك أمها، الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها.

استطعنا تدبر هاتف والاتصال بأمها، تلقينا المساعدة وبات الكل مشغول بنا وكأننا أمل الجميع. في النهاية وبعد تشويش الخط وصعوبة القول وأيام من المحاولة، علمت أمها بالأمر وباركت لنا. بعدها، كان لا بد من المهمة الأكبر، عملية البحث "داخل العالم السفلي" عن أحد بإمكانه تزويجنا.

*تم استخدام أسماء مستعارة حفاظا على هوية أصحاب القصة

جلال وليلى وجدا بين المهاجرين شيخا ليزوجهما
زواج غير تقليدي
جلال وليلى وجدا بين المهاجرين شيخا ليزوجهما

شعرت فجأة أنني في عالم آخر. انتقلت معها لشيء أبعد بكثير عن الواقع الذي كنا نعيشه كلنا سوياً. كنا فعلاً نبحث عن أحد يزوجنا لنضمن مستقبلنا سوياً، مع العلم أننا لم نمتلك أدنى فكرة كيف ومتى سنخرج. وجدنا في عالمنا السفلي رجلا صوماليا مهاجرا مثلنا، إلا أنه شيخ. سارعت بطلب الأمر منه ووافق، ونظمنا زواجاً شرعياً لربما هو الأول من نوعه في ذاك المكان. تزوجت أنا وليلى وبتنا سوياً وقطعنا عهدا على أنفسنا بذلك.

بقينا نعيش على الحلم، نقتات على أمل الخروج وما الذي سنحققه فيما بعد. هي تحب أن تكون ممرضة وانا أحب إكمال دراستي في هندسة المعلوماتية. تحدثنا عن مستقبلنا، عن منزلنا، عن الأولاد، عن كل ما يمكن تخيله هناك في الأسفل. لا داع لدخول الشمس، كنا نراها، أنا وهي فقط.

"كنت آمل أنها لم تمت"

بعد مرور شهرين على زواجنا، عرفنا أن المهربين اختلفوا، وسيتم إجبار جزء منا على الذهاب إلى مكان آخر. أنا بطبيعتي أكره الظلم ضد أي إنسان، وكنت كثير التدخل فيما اعتبره المهربون ليس من شأني. إثر الخلاف بينهم، دخلوا كعادتهم، ضربوا بعضاً من الشباب وكنت من بينهم. ضربت بالحديد وخارت قواي ولم أكن أتمكن حتى من الكلام. ليلى كانت من ضمن المجموعة التي اقتيدت في أربع سيارات إلى وجهة مجهولة. لم أتمكن من الوقوف بوجه أحد. وأعتقد أنه تم بيعنا للمرة الثانية.

بعد عشرة أيام استطعت الكلام واستعدت عافيتي، ما كنت أدركه هو فكرة واحدة فقط لا غير تدور في رأسي، وتأكلني. لا بد من طريقة للخروج. قلت لمن معي إما أن نعيش بكرامة أو نبقى هنا ندافع عن حقنا في الحياة. علمت أنه قرار واحد، وكان لا بد أن أبحث عن ليلى. كنت آمل أنها لم تمت.

اتفق الكثيرون منا على الهرب، الخطة كانت بسيطة ومخيفة.. ما إن يدخل المهربون الثلاثة أو الأربعة حتى ننهال عليهم بالضرب ونهرب، عددنا أكبر من عددهم على كل حال، من معي؟ سألتهم. وافق 100 شخص، وفعلاً هذا ما حصل.

أذكر الذهول يأكل وجه الناظرين إلينا. جمهرة من الأموات خرجوا من اللامكان. يمشون في القرية الصغيرة متجهين إلى المسجد، كنا نحج باتجاه المسجد فهناك الخلاص، خلاصنا.

ساعدنا السكان والجيش والجميع، ووصلنا جميعاً بالطائرة إلى طرابلس. اتجهنا إلى مركز المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ليتم تسجيلنا كلاجئين. كنت أمشي باتجاه المبنى وأعتقد أنه كان بجانبه مكان لحجز النساء.

جلال وليلى في طرابلس الليبية
لقاء للمرة الأولى في وضح النهار
جلال وليلى في طرابلس الليبية

لقاء للمرة الأولى في وضح النهار

كانت جالسة تنظر وكأنها تعلم أني قادم، بدأت خطواتي تتسارع حين رأيتها ومن ثم ركضت باتجاهها وحضنتها، وجدت ليلى.

قالت لي إن مشكلة أخرى واجهها المهربون أثناء اختطافهم، مكنتهم من الهرب والوصول إلى طرابلس حيث سجلت كلاجئة وأخبرت المسؤولين أنني مفقود.

بقينا في طرابلس لمدة من الوقت، أراها يومين بالأسبوع فهي أيضاً كانت محتجزة في بناء النساء، ولكن كانت الأمور على ما يرام، أي شيء أفضل مما كنا فيه. تم بعدها نقلنا سويا كعائلة إلى مركز عبور في النيجر، ومن هناك إلى فرنسا.

مضى على وجودنا هنا قرابة ثلاثة أشهر، حياتنا جيدة فأحلامنا لاتزال في صباها وسنحققها سوياً، وسنرزق بطفلنا الأول بعد فترة، فزوجتي حامل.


لمشاهدة الحلقات الأخرى :
الرئيسية/نظرة على الأحداث
الحقوق
تقرير: كنده يوسف
رسومات: باتيست كوندوميناس
رئاسة التحرير: أمارة مخول